جرادة: إغـلاق مـنـجـم أم إغـلاق ذاكـرة؟

بن يونس المرزوقي
أن تكتب عن جرادة بعمق، فذاك يتطلب منك أن تكون متعدد الاختصاصات: مؤرخ، سوسيولوجي، نقابي، سياسي، معماري، مهندس جيولوجي… وكل ذلك لأن جرادة تشبه الجملة الاعتراضية في تاريخ المدن المغربية. وكلما سمعتُ حديثا عن إغلاق المنجم الذي كان يمثل أساس وجودها، أتصور أنه سيتم “إغلاق مدينة” فتعود بي مخيلتي إلى ما تختزنه ذاكرتي، فتتزاحم الصور، والمشاهد والأحداث بشكل لا أستطيع معه ترتيبها إلا بما يوضح الواقع لغير المطلع عليه.

فضاءات متناقضة ووعي تدريجي بمفهوم التضامن
إن تعدد وتنوع القبائل والمدن المغربية، والمخطط الاستعماري القائم على سياسة فرق تسد والتمييز الطبقي، عوامل ساهمت في خلق معمار من نوع خاص، ومما زاد في “تزيين” المشهد، تأثير تقاليد أجدادنا الذين كان يحلوا لهم أن يتجمعوا دائما حول بئر ما، فتجمعت هذه العوامل ليتم تشييد حي عمالي واسع وفق هندسة تراعي كل المتناقضات:
فمن جهة أولى كان لابد من إحداث ثلاثة أنواع من السكن: حي أوروبي خاص بالأجانب آنذاك، وحي للأطر المتوسطة المغربية وحي أخذ اسم “حي المغاربة”. وبموازاة ذلك، تم خلق فضاءات موازية: ملاعب، نوادي، حانة، مسبح وسط فيلات الحي الأوربي، بشكل يجعل المحظوظ الذي يتمكن من الدخول للحي لا يفكر إلا في ثلاثة أشياء: الاحتراس من هجوم محتمل لكلاب مدربة، إمكانية “الاطلاع” على صندوق قمامة قد يحتوي على حاجيات نافعة، أو في أحسن الأحوال سرقة نظرة إلى سيقان أوربية “تتجرأ” على لبس ثياب قصيرة. فضاء أوربي بمعنى الكلمة، فيلات محاطة بحدائق تزهو بأنواع من الورود يزيدها لون غبار المدينة الأسود جمالا ورونقا، ويجعلها مطمعا لكل صغار اللصوص.
أما حي الأطر، فعبارة عن منازل منفردة في شكل حي خصوصي لمن تمكن من المغاربة للوصول إلى مرتبة ما، أو لمن فرضت ظروف العمل بالمنجم الاستعانة بهم لضبط حشود العمال، جزء من الحي الأوربي، ديور “الشيفان”، ديور “المخزن”… وعلى الأقل كان لنا حق التجول بها دون مخاوف تذكر اللهم إلا من نظرات “الاشمئزاز” لنا، نحن أبناء الكادحين Les Ouvriers.
نحن أبناء هذه الفئات كان لنا فضاؤنا الخاص، حي كبير بجرادة عبارة عن صناديق ملتصقة ببعضها البعض: غرفة ومطبخ لستر عائلات تتكون أحيانا من عشرة أفراد، لنقل أنه حي شاهد لحد الآن على طرق البناء المعتمدة منذ ثلاثينات القرن العشرين، لذلك لم يكن غريبا أن ينبهك صاحب المنزل إلى عدم الاتكاء على الحائط حتى لا تنهار قشوره. أما في حاسي بلال، فالأمر كان أفظع: أحياء عمالية منفصلة، تتكون من ستين منزلا. هذه الأسماء رائجة: ديور مراكش، ديور تازة، ديور دبدو، ديور “سواسة” المتزوجين، ديور “سواسة” ، ديور الغار (خاص بقبيلة بني يعلى)… وكان آخر حي هو الذي تم بناؤه بعد الاستقلال حيث أصبحت إمكانية التخصيص هذه غير ممكنة: “ديور لمخلط” حيث أصبح لأول مرة إمكانية سكن ريفي إلى جانب سوسي…
هذه الأحياء العمالية القبلية خلقت لنا نحن الأطفال آنذاك مصاعب عديدة حيث أصبح أبناء كل حي، بحكم تضامنهم القبلي، يحتكرون أقرب فضاء إليهم، ولو كان من صنع الطبيعة. وهكذا أصبح لزاما علينا تحمل تحرشات أبناء “ديور سواسة” للمرور إلى المخبزة التقليدية الوحيدة “الفران”، وتحمل استفزازت أبناء “ديور دبدو” وأبناء “ديور بوشون” للمرور إلى الجبل… وكان على الجميع تحمل تحرشاتنا للمرور إلى المقهى قصد مشاهدة التلفزة.
إن فترة الستينات كانت بمثابة عقد “للحروب” بين أبناء الأحياء، ويكفي أن ينتصر أبناء حي ما في مباراة لكرة القدم حتى يتعرضوا للضرب والمطاردة من قبل أبناء الحي المنهزم، وتلك كانت قمة الروح الرياضية لدينا. إن فكرة المطاردة تلك لم تكن وليدة تصرفاتنا الطفولية فقط، بل غذاها بشكل واسع تشجيع الآباء لنا، فلم يكن من المستساغ أن يتقبل الأب هزيمة ابنه، ولا أن تتقبل القبيلة هزيمة أحد أطفالها.

علاقات غريبة تطورت تدريجيا، فقد أدرك الجميع أن مفهوم التضامن ينبغي أن يتوسع.
وبقدرة قادر أصبح كل أبناء جرادة متضامنين فيما بينهم ضد أبناء حاسي بلال، وكيف لا وهم “يملكون” أهم فضاءين: إعدادية يتيمة وسينما فريدة؟؟ لقد كان من شبه المستحيل أن تذهب للسينما إلا في إطار مجموعات واسعة الأعداد تحسبا لأي تحرش أو هجوم محتمل، أو حتى للدفاع عن “السنتيمات” التي كان يحتوي عليها جيبك.
وبالموازاة مع هذه الجزئيات اليومية، كان أبناء جرادة، بمفهومها الواسع، يحتكون بواقع مرير، لقد أصبحوا يدركون ما معنى الفحم الحجري، ولماذا يموت العمال بأعداد كبيرة، ولماذا يُضرب آباؤهم عن العمل، بل أدركوا حتى لماذا يطارد الدرك العمال المضربين، وبذلك أصبحت مرحلة نهاية الستينات بداية لوعي جماعي مازالت آثاره بادية إلى الآن. لقد ساهمت عوامل متعددة وبشكل متزامن تقريبا في بلورة هذا الوعي: إضرابات ما بعد حرب 1967، انتقالنا للدراسة إلى ثانويات وجدة، ظهور أول تلفزيون بإحدى المقاهي، موت جمال عبد الناصر الذي بكاه الآباء والأمهات، النقابة الوطنية للتلاميذ، الجبهة، العمل النقابي الديناميكي بالمدينة، احتفالات فاتح ماي… إلى غير ذلك مما يصعب حصره.
ويبقى أهم حدث هو قدوم الروس إلى جرادة لبناء مركب الطاقة الحراري، فتم إحداث حي خاص بهم مازال يحمل اسمهم إلى الآن. عددهم كان قليلا، لكن تأثيرهم كان كبيرا. فعن طريقهم سمعنا الحديث عن الاشتراكية وعن الشيوعية، فشاهدنا الأفلام الوثائقية عن منجزات الاتحاد السوفياتي، وتم تزويدنا بكتب دعائية بجميع اللغات، وبصور ماركس وإنجلز ولينين، ثم أصبحنا لاحقا نتوصل بخطابات بريجنيف في حينها، مترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية والعربية، وبالمجان.

المنجم في ظل هذه الأجواء الاجتماعية
كبرت أجيال كثيرة حتى أصبحت القاعدة البحث عن المواقف المتطرفة في كل نقاش “سياسي” ولذلك لم يكن غريبا أن تجد أبناء المدينة في طليعة النضالات التلاميذية ثم الطلابية لاحقا. لكن كل هذا لم يكن ينسينا أن المنجم هو جوهر وجود المدينة، وشخصيا كنت أجد صعوبة في شرح طريقة العمل في استخراج الفحم الحجري لغير أبناء المدينة. إن الإنسان العادي لا يمكن أن يتصور أن الفحم موجود في شكل طبقات يبلغ سمكها من 40 إلى 70 أو 80 سنتيمترا، وأنه من النوع الصلب (الأنترسيت) الذي يفرض طريقة عمل معينة: الزحف على البطن واستعمال آلة “المارطو بيكور” في نفس الوقت، فيتطاير الغبار ليستنشقه العامل طيلة تواجده بالمنجم، وليت الأمور تتوقف عند هذا الحد، فعند استنفاد تلك الطبقة في شكلها الأفقي، ينبغي النزول عموديا للوصول إلى طبقة أخرى. ولكم أن تتخيلوا مخاطر النزول إلى هذه الطبقات السفلى، والعامل يدرك أن ما فوقه معرض للانهيار في أية لحظة، وهكذا إلى أن يتم النزول إلى أعماق يصعب تخيل العمل بها، فبالأحرى ممارسته. يكفي هنا أن أقدم نموذجا لعامل يهبط إلى عمق أربعمائة متر تحت سطح الأرض في مرحلة أولى، في شكل عمودي، ثم يشرع في تفتيت الفحم الحجري واستخراجه بشكل أفقي إلى أن يبلغ مع مرور الزمن مسافة قد تصل عدة كيلومترات، وباختصار شديد: إلى أن يتم استنفاد تلك الطبقة. لا أريد هنا أن أذكر كل التفاصيل، بل سأكتفي بالقول إن كل ذلك كان يتم في ظل انعدام أدنى شروط الوقاية والسلامة، وفي ظل شبه انعدام للتطبيب، وسكن غير لائق بتاتا، وبيئة ملوثة ببقايا الفحم والغبار الأسودين، أضف إلى ذلك صعوبة المناخ المتسم آنذاك بطول فترة الثلوج والبرد القارس… إنه الجحيم.
كان يحلو دائما لأحد أعمامي -من ضحايا مرض السيليكوز- أن يقول إن ذنب عمال جرادة، هو الدعوات الصالحة لآبائهم، فقبل اكتشاف المنجم كان الآباء في البوادي القريبة من المنطقة يدعون لأبنائهم حسب الصيغة التالية: “جعل الله نورك بين عينيك يا ولدي”. وكانوا يقصدون أن تكون الأمور واضحة أمام أبنائهم، فتحققت الدعوة بشكل يجعل هؤلاء الأبناء/العمال لاحقا لا يتحركون داخل المنجم إلا عن طريق مصباح يوضع على وسط الخوذة، وبالضبط بين العينين، حتى يتم توجيه الضوء أمام العامل مادام أن يديه مخصصتان لآلات الحفر.

مـرض السيليكـوز
السيليكوز مرض خطير، لا يعرف عنه الشيء الكثير إلا عند عمال جرادة وأبنائهم والأطباء المتخصصين. إن الغبار الأسود الدقيق الذي “يستنشقه” العمال طيلة تواجدهم بالمنجم، يترسب في الرئتين، وشيئا فشيئا يؤدي إلى تعطيل أجزاء منها، ويتم منح العمال بعد ثبوت نسبة التعطل “تعويضا” لا يسد رمق يوم أو يومين على أبعد تقدير. ولنتصور أن حضور هذا المرض في الحياة اليومية للعمال جعلهم يقسمون أنفسهم إلى فئات يرمز إليها بالأرقام: 40% أو 50% أو 70% والتي لا تعني إلا شيئا واحدا: النسبة المعطلة من الرئتين. وهكذا يضيق التنفس تدريجيا إلى أن تتعطل الرئتان معا، فيختنق العامل. ولهذا المرض قصص عديدة في المنطقة: فبما أن طبيب شركة المناجم هو الذي يثبت هذه النسبة، فقد كان العمال يدركون أنها أقل من الواقع؛ وبما أن بقايا الفحم المستخرج تبقى فوق سطح الأرض، فإن الكل يتحدث عن إصابة كل السكان بهذا المرض.

إغــلاق المنجــم
مع مطلع التسعينات، أصبحت جرادة شيئا آخر تماما، اختفى كل ما هو قبلي ليفتح المجال للانتماء النقابي أساسا، خاصة وأن المدينة عرفت إضرابات بطولية لفتت الانتباه إليها. بل حتى الأحياء العمالية المنفصلة عن بعضها بمسافات معينة، أصبحت لا تكاد تظهر بين دور الصفيح التي تم إحداثها من قبل العمال المتقاعدين والنازحين إلى المدينة، وكان الإنجاز الباهر للشركة هو “حائط العار” الذي تم إحاطة حي العمال به حتى لا يبقى باديا للعيان. وهكذا، وفي غفلة عن سكان المدينة، تم تمرير أنبوب الغاز الجزائري في الإقليم تحضيرا لتحويل إنتاج الطاقة الكهربائية بالمعمل الحراري من الفحم إلى الغاز، ثم فتح آخر ملف للمدينة، ألا وهو ملف الإغلاق.

إغلاق منجم أم إغــلاق ذاكــرة؟
إن السرعة التي تم بها فتح وإغلاق “ملف الإغلاق”، تدعو إلى الدهشة: بضعة تصريحات استفزازية في حق المدينة، مفاوضات سريعة، توقيع للاتفاق، ثم تعويض العمال. فعلا سرعة مدهشة لأنها على غير عادة تعامل المسؤولين مع الملفات الصغرى، فالأحرى الملفات الكبرى. لن أكون مجازفا إذا ما قلت أن الأطراف التي وقعت الاتفاق إما أنها لم تكن تدرك أثار وأبعاد هذا الحدث وهذه كارثة، وإما أنها كانت تدرك كل ذلك، وهذه كارثتان.
لن أناقش الآن خبايا هذا الإغلاق، ولكني أود التأكيد على مسألة اعتبرها جوهرية، إن مفاحم جرادة عبر تاريخها كانت تشغل في نفس الوقت حوالي ستة آلاف عامل (ستة آلاف عائلة)، لكن هذا الرقم لم يكن ثابتا إلا في الإحصائيات فقط، لأن الواقع كان شيئا آخر، وهو أن جزءا واسعا من العمال كان يعمل لبضعة شهور فقط، ثم يعود إلى مدينته، مما جعل عدد العمال الذين مروا من هذا المنجم لا يعد ولا يحصى، ومنتشرين في كل مناطق المغرب، يحملون معهم ذكريات ما، أو ابنا ازداد بجرادة، أو جدا توفي بها، أو بسبب إصابته بالسيليكوز. ذكريات متعددة، وتهم شرائح اجتماعية واسعة: أميون، مهندسون، طوبوغرافيون، جيولوجيون، رجال تعليم، عابرون… بشكل يجعلنا نجزم بأنه من النادر جدا أن تجد عائلة مغربية لا تعرف عن جرادة شيئا.
فهل كان الهدف هو إغلاق المنجم، أم “إغلاق” المدينة، أم “إغلاق” ذاكرة جماعية؟؟ ذلك هو السؤال الذي أعتقد أن الإجابة عنه تكمن في أبحاث يقوم بها صديق للطفولة من أبناء هذه المدينة، إنه يبحث لحد الآن، عن مصير أحد العابرين بحاسي بلال، كان يسمى “فرنك” أي ما يقابل سنتيم حاليا، لم يكن عاملا، بل اشتغل في المخبزة التقليدية (الفران) وسط مجموعة من دكاكين تجارية، لا يعرف أحد أي شيء عن أصله، ولا عن فصله، لم يكن يغادر فضاءه إلا مرتين: عيد الفطر وعيد الأضحى لتحية صاحب الفرن على بعد حوالي كيلومتر واحد. لا أحد يعرف اسمه الحقيقي ولا لماذا ليست له زوجة ولا أين هو الآن. وكل ما أنا متأكد منه أن معرفة مصير هذا العابر/الغامض ستنفعنا لمعرفة مصير جرادة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*