هذه تجربة فقط.. تجربة فقط

حوار مع جريدة "الأخبار"

هل يُمكن تشكيل هياكل البرلمان قبل تشكيل الحكومة؟

إن مسألة أسبقية تشكيل الحكومة أم البرلمان مسألة محسومة وفق القواعد العامة المتمثلة في ضرورة انبثاق الحكومة عن البرلمان. فالأمر يتعلق بمبدأ يهم النظام البرلماني، وعلينا أن نسير في نفس التوجه إذا كنا نريد فعلا ترسيخ مبادئ هذا النظام ببلادنا. فمن غير المعقول أن نعكس القاعدة وأن ننتظر تكوين الأغلبية الحكومية لتشكيل أغلبية برلمانية!! وبالتالي نرهن مؤسسة دستورية مُنتخَبة بالاقتراع العام المباشر بمصير مؤسسة دستورية أخرى ينبغي أصلا أن تكون منبثقة عنها.

إن مبدأ فصل السلط يستلزم أن تكون هناك استقلالية تنظيمية على الأقل في تشكيل الهياكل والأجهزة. لذا فأعتقد أنه من حق مجلس النواب عقد جلساته قصد هيكلة نفسه والاستعداد لما ينتظره من مهام عديدة ومكثفة مباشرة بعد هيكلة نفسه. كما أن عملية الهيكلة نفسها تتطلب وقتا مهما ينبغي استغلاله خلال هذا “الوقت الميت”. لذلك، فإن مسار هيكلة مجلس النواب ومسار تشكيل الحكومة يُمكن أن يتما بشكل متواز، ومسؤولية إنجاح هذه المهام تقع على عاتق الأحزاب السياسية وليس على الفرق والمجموعات النيابية.

وإذا كان المغرب قد اعتمد قاعدة تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب فإن نجاح تطبيق هذه القاعدة ينبغي أن يدفع الأحزاب السياسية إلى تغيير مناهج عملها من خلال اعتماد ما هو موضوعي والابتعاد عن كل عوامل ذات طابع ذاتي أو شخصي. وهنا تلعب البرامج الانتخابية ونقط التشابه ونقط الاختلاف فيها الدور المركزي.

 

العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في هذه المرحلة؟

إن الفهم السائد إعلاميا والداعي إلى انتظار تشكيل الحكومة لفتح المجال لمجلس النواب لهيكلة نفسه منطق لا يُراعي التراكمات الحاصلة في الدعوة إلى ترسيخ نظام الملكية البرلمانية. لقد ناضلت الأحزاب من أجل هذا المبدأ، وضمنته جلها في مذكراتها المقدمة للجنة الملكية الاستشارية لمراجعة الدستور إن لم يكن بشكل مباشر، فمن خلال إدخال تقنيات تُكرسه.

لذا، فإن فتح المجال لمجلس النواب لهيكلة نفسه سيكون عاملا حاسما في تسهيل الأمور أمام رئيس الحكومة المعين لتكوين أغلبيته وليس العكس كما يتوقع البعض. فلو استطاع حزب العدالة والتنمية من خلال فريقه النيابي تشكيل أغلبية مُتوافق عليها، لتمكن رئيس الحكومة المعين من تشكيل حكومته مباشرة بمفاوضات حول ما يهم هيكلة الحكومة.

إن الأمر يتعلق بعلاقات تعاون وليس علاقات “اصطدام”، وملامح النظام البرلماني تتحدد على هذا المستوى بالضبط، وهذا الدور موكول للأحزاب السياسية.

حقيقة أنه قد يحدث أحيانا عدم انسجام ما بين الأغلبية البرلمانية والأغلبية الحكومية، لكن هذه ضريبة الديمقراطية، وفي الدستور من المقتضيات التي لا أعتقد أنها توضع لتزيين النص ولكن للخروج من هذه الأزمات. فما معنى أن بتضمن الدستور مقتضيات عن حل البرلمان أو أحد مجلسيه من قبل الملك، أو حل مجلس النواب من قبل رئيس الحكومة، أو تقديم الاستقالة، أو وضع ملتمس رقابة، أو حتى إعلان حالة الاستثناء لإرجاع سير المؤسسات إلى سيرها العادي؟ هل وُضعت هذه المقتضيات لتضخيم الدستور فقط؟

في الدول الديمقراطية يتم اللجوء إلى هذه الحلول وغيرها دون أن يُعتبر ذلك تراجع عن الديمقراطية بل تطبيقا لنص دستوري صادق عليه المواطنون والمواطنات، وعلينا التحلي بالجرأة لاقتحام هذه المجالات دون أي تخوف ما دام أن المغرب يتوفر على مؤسسة ملكية قادرة على ضمان استمرارية الدولة في مثل هذه اللحظات.

 

الفاتورة التشريعية لعطالة البرلمان والبرلمانيين؟

إن هدر الزمن التشريعي مسألة سلبية في مسار المؤسسات الدستورية. فالأمر يتعدى مسألة “عطالة البرلمان” إلى ما هو أعمق من ذلك. فالولاية التشريعية السابقة لم تتمكن من إقرار كل القوانين التنظيمية ولا زال أمام البرلمان مسألة اعتماد القانون التنظيمي للأمازيغية والقانون التنظيمي للإضراب باعتبارهما نصوصا ذات أهمية خاصة. كما أن البرلمان (والحكومة من خلال مشاريع القوانين) مدعو لاستكمال إصدار النصوص المتعلقة بهيئات الحكامة أو تحيينها أو ملاءمتها مع الدستور الجديد.

إن هذه الوضعية تمس جل المؤسسات الدستورية الأخرى. فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان استنفذ ولايته دون أن يتم تحيين النص المحدث له، كما أنه تم إصدار نصوص دون إحداث المؤسسات المحدثة لها، من قبيل هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، كما أنه تمت ملاءمة نصوص دون ملاءمة الهيئات المطابقة لها من قبيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهناك نصوص لم آن من قبيل المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة… والأمثلة كثيرة.

إن الغرض من سرد هذه الحالات هو القول بضرورة تعجيل هيكلة البرلمان والحكومة للخروج من هذه الوضعية نظرا لكون رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان يُساهمان في تعيين أعضاء هذه المجالس. لذا، قلت إن الفاتورة التشريعية كبيرة.

أضف إلى ذلك، أن هذه الدورة ستتميز بمناقشة البرنامج الحكومي والمصادقة عليه، ثم تخصيص ما لا يقل عن 70 يوما للقانون المالي…

بن يونس المرزوقي

أستاذ باحث

كلية الحقوق وجدة

About بن يونس المرزوقي 68 Articles
بن يونس المرزوقي، أستاذ باحث بكلية الحقوق، جامعة محمد الأول، وجدة، المملكة المغربية؛ مهتم بالمجالات التالية: الدراسات الدستورية والسياسية؛ القانون البرلماني؛ العمل الحكومي؛ الأنظمة الانتخابية؛ قضايا النوع الاجتماعي؛ صياغة النصوص القانونية؛ الإعلام والتواصل؛ الحقوق والحريات الأساسية؛ القانون والعلوم الجنائية. وبصفة عامة كل ما يرتبط بالتخصصات التي تندرج في إطار القانون العام.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*