حول “المشروع الأمركي توسيع” صلاحيات المينورسو (2013)

استجواب للأستاذ بن يونس المرزوقي، بجريدة “العلم” عدد 22582، ليومي السبت والأحد 27 و28 أبريل 2013،
بخصوص التطورات الأخيرة لملف الصحراء:
خمس خلاصات لتفادي ما وقع

أعتقد أن ما وقع بخصوص الملف الحقوق بالصحراء، كان عبارة عن تمرين جيد للدبلوماسية المغربية، سواء العلنية منها أو السرية. لقد وجد المغرب نفسه فجأة أمام تحد كبير من قبل دولة عظمى ظل دائماً يعتبرها حليفا استراتيجيا. لذلك، كان لا بد من التعامل مع هذا المستجد بطرق جديدة وفعالة.
لقد تم تقديم التجربة المغربية في مجال الإصلاحات الدستورية والسياسية كنموذج يحتذى به من قبل عدد واسع من الدول والمنظمات الدولية، وحتى المغرب نفسه كان يقدم نفسه كرائد على مستوى التجارب العربية. وبخصوص الملف الحقوقي بالذات، أصبحت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة تتويجا لتطور حقوقي مهم في المغرب، جعلت البلاد تخطو خطوات نوعية وتكسب نقطا كثيرة أمام المنظمات الدولية المهتمة بمجال حقوق الإنسان، فانفتح المغرب على الوفود الدولية والأجنبية متأكدا من أنه يسير في الاتجاه الصحيح، وأن ذلك سيخدم بالضرورة القضية الوطنية، ويجعل خصوم الوحدة الترابية في مأزق أمام المنتظم الدولي.

إلا أن مشروع المقترح الأمريكي بتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة وضعية حقوق الإنسان خلطت الأوراق من جديد وجعلت المغرب أمام وضعية لم يكن مستعدا لها.
وبعد سحب المشروع الأمريكي، أصبح من اللازم الوقوف عند مسلسل الأحداث السابقة من أجل تقييمها والخروج بدروس تجنب المغرب الوقوع في هذا النوع من المآزق التي تجعله يبدو ضعيفا أمام خصوم الوحدة الترابية.
وفي هذا الصدد، اعتبر أنه يمكن الخروج بالخلاصات التالية:

أولا: إن الدبلوماسية المغربية في حاجة إلى إعادة الهيكلة، من أجل تحويلها إلى “مؤسسة” هجومية وليس دفاعية. فلا يمكن كل مرة أن ننتظر وقوع الأحداث لنقوم برد الفعل. إننا نبدو في حالة ضعف أمام خصومنا لأنهم يدفعوننا إلى معالجة كل حدث جديد منعزلا عن الأحداث الكبرى، في الوقت الذي تكتفي فيه ديبلوماسيتنا برد الفعل من خلال القيام بدور ” المحامي” الذي قد لا ينجح كل مرة في إثبات وجهة نظره.

ثانيا: أصبح من اللازم أن تنفتح الدبلوماسية المغربية على مراكز البحث والدراسات والجامعات المغربية التي تشتغل على قضية الصحراء بأساليب أكاديمية قد تغيب عن السياسيين. فما معنى أن يبقى هذا الكم من الرسائل والأطروحات الجامعية والندوات العلمية بعيدة عن اهتمام وزارة الخارجية؟ وما معنى عدم إشراك الأكاديميين في مسلسل اتخاذ القرارات التي تهم السياسة الخارجية؟
ونشير هنا إلى أن كل مكتسبات المجتمع المدني التي جاء بها الدستور الجديد، لا تهم الشأن العام الداخلي لوحده، ولكن أيضاً تهم السياسة الخارجية حتى لا تبقى معزولة عن التطورات لتي تعرفها البلاد. ولذلك، فإن الدبلوماسية الموازية لا تهم فقط مساهمة المؤسسات الدستورية الأخرى من قبيل البرلمان، أو المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ولكن تهم أيضاً الأحزاب السياسية والهيئات النقابية ومنظمات المجتمع المدني، كل في مجال تخصصه.

ثالثا: تعبئة الطاقات والقوى الحية بالبلاد، تستدعي بالضرورة إشراك سكان الصحراء في مسلسل تشاوري واسع في المواضيع التي لها انعكاس مباشر عليهم. لنلاحظ مثلا رد الفعل على أشغال المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول نموذج التنمية بالأقاليم الصحراوية، إننا لم نسمع عن انتقادات تهم الموضوع بقدر ما سمعنا عن انتقادات حول عدم إشراك الصحراويين في صياغة هذا النموذج، وقس على ذلك.
وفي هذا الصدد، فإن إطلاق دينامية جديدة بالصحراء يقتضي فتح المجال أمام كل القوى الفاعلة في المنطقة، سواء تعلق الأمر بالسكان الذين لازموا المنطقة، أو الذين غادروها وعادوا إليها أو الذين اقتنعوا بضرورة الالتحاق بها. فالتفاعل بين هذه القوى، وتنظيمها، وإشراكها في المشاورات بخصوص السياسة الخارجية للدولة، كفيل بمنح وزارة الشؤون الخارجية أدوات عمل جديدة، تجعل المغرب في موقع الهجوم وليس موقع الدفاع. كما أنه أصبح من قبيل المستعجل فتح المجال أمام المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية من خلال إعادة هيكلته وتوسيع اختصاصاته.

رابعا: إن الكثير من المخلاصات السابقة، تجد حلا لها في ورش الجهوية المتقدمة، الذي لم يعد يحتمل المزيد من الانتظار. إن الحكومة هنا مدعوة الى الالتفات إلى هذا الموضوع، وتعميق الرؤية حوله. فالأمر لا يتعلق بورش مرتبط بالعملية الانتخابية فقط، ولكن يحقق أهداف كثيرة.
إن الجهوية المتقدمة، تخدم قضية إعادة هيكلة الدولة، وتدفع إلى تعميق الديمقراطية المحلية، وتوسيع مساهمة السكان، وخلق نماذج مختلفة للتنمية، وتحل مشكل إعادة تجديد مجلس المستشارين…. وباختصار شديد، فإن الجهوية المتقدمة تخدم القضية الديمقراطية والقضية الوطنية.
وفي هذا الصدد، أعتقد أن نجاح مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء رهين بوجود قاعدة صلبة تتمثل في الاستناد على جهوية متقدمة. وهذا الموضوع بالذات يستحق حوارا وطنيا أكثر من الأوراش الأخرى التي تضيع فيها الجهود والإمكانيات دون فائدة.

خامسا: حان الوقت لتغيير وسائل عمل الإعلام، وخاصة من ذلك الإعلام العمومي، والوسائل التي يعبر من خلالها السياسيون عن وجهات نظرهم، وذلك من خلال سحب العديد من المصطلحات والتعابير التي لا تسهل عملية التفاعل. فكيف سنعمق عوامل الثقة، ونحن لا زلنا نستعمل مصطلحات مثل: المرتزقة، الخونة، المغرر بهم، صنيعي المخابرات…
إننا في حاجة إلى خطاب جديد، مبني على الاحترام، حتى إذا لم يكن تجاه المعنيين مباشرة، فعلى الأقل احتراما لعائلاتهم التي تشبتت بالوحدة الترابية.

بن يونس المرزوقي
أستاذ باحث بكلية الحقوق بوجدة.

About بن يونس المرزوقي 68 Articles
بن يونس المرزوقي، أستاذ باحث بكلية الحقوق، جامعة محمد الأول، وجدة، المملكة المغربية؛ مهتم بالمجالات التالية: الدراسات الدستورية والسياسية؛ القانون البرلماني؛ العمل الحكومي؛ الأنظمة الانتخابية؛ قضايا النوع الاجتماعي؛ صياغة النصوص القانونية؛ الإعلام والتواصل؛ الحقوق والحريات الأساسية؛ القانون والعلوم الجنائية. وبصفة عامة كل ما يرتبط بالتخصصات التي تندرج في إطار القانون العام.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*