خلفيات انسحاب الاستقلال من الحكومة (2013)

على هامش قرار حزب الاستقلال:
الانسحاب من الحكومة بين الفصلين 42 و47 من الدستور

خلفيات انسحاب حزل الاستقلال من الحكومة
منشور بجريدة جريدة “العلم” ليومي السبت والأحد 18 و19 ماي 2013

أعتقد أنه من اللازم الإشارة في البداية إلى أنه لا ينبغي التهويل من النتائج التي يُمكن أن تترتب عن قرار حزب الاستقلال القاضي بالانسحاب من الحكومة، سواء أدى الأمر إلى أزمة يتم حلها بالتفاوض أو حتى إلى التعجيل بإجراء انتخابات تشريعية. فالأمر يتعلق بممارسة سياسية عادية في الدول الديمقراطية، وتترتب عنها أزمات قد يطول أمدها أو يقصر، وبالتالي لا يُمكن لدولة مثل المغرب أن تستمر في اعتبار أنها تشكل استثناءا من القاعدة.

إن هذا القرار، وما سيترتب عنه، سيجعل المغرب يخرج من دوامة “الخصوصيات” ويتحول إلى دولة ديمقراطية “عادية” تعرف الأزمات كباقي الدول الديمقراطية، في احترام تام للمقتضيات الدستورية.
وفي هذا الصدد، لوحظ أن حزب الاستقلال، أشار في قرار انسحابه إلى الفصل 42 من الدستور، في الوقت الذي كان فيه البعض ينتظر إشارة ما إلى الفصل 47. ويُمكن هنا أن نتساءل عن خلفيات هذه الإشارة وإلى الدلالات التي تحملها.

إن الفصل 47 ينظم مسطرة تعيين الحكومة ومسطرة إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة سواء من قبل الملك مباشرة بعد استشارة رئيس الحكومة، أو من قبل الملك بناء على اقتراح من رئيس الحكومة. إلا أن الفصل 42 هو الذي يضع الإطار العام لصلاحيات الملك باعتباره رئيس الدولة وممثلها الأسمى، وبالتالي وردت فيه تعابير ينبغي أن تدخل حيز التنفيذ من خلال حالات تطبيقية لتأخذ معناها الحقيقي في الحياة السياسية المغربية.

إن الفصل 42 يتضمن فعلا الإشارة إلى مسألة “التحكيم” بين مؤسسات الدولة، والسهر على “احترام الدستور”… ولكن يتضمن أيضا الإشارة إلى السهر على “حسن سير المؤسسات الدستورية”.

والمتأمل في مطالب حزب الاستقلال، والتي سبق أن مهد لها من خلال مراسلة رسمية وتصريحات عديدة للأمين العام للحزب، يجد أنها تدل على أن حزب الاستقلال لم يسبق له أن أثار مسائل تتعلق بخلاف بين المؤسسات الدستورية، من قبيل خلاف بين البرلمان والحكومة، أو خلاف بين الحكومة ومجلس أو هيئة دستورية عليا، ولكن مطالب الحزب كانت منصبة على عدم حسن سير الحكومة، (وهي مؤسسة دستورية) بشكل متوافق عليه بين مكونات الأغلبية.
واستنادا على الانتقادات التي كان يوجهها حزب الاستقلال لحلفائه في الحكومة، فإن الأمر يتعلق فعلا بعدم حسن سير هذه المؤسسة الدستورية، وبالتالي أصبح لزاما عليه اللجوء إلى المؤسسة الملكية باعتبارها المؤسسة التي تسهر على “حسن سير المؤسسات الدستورية” استنادا إلى الفصل 42 وليس إلى الفصل 47.

وينبغي أن نضيف لذلك، أن الفقرة الأخيرة من الفصل 42، تنص على أنه “تُوقع الظهائر بالعطف من قبل رئيس الحكومة، ماعدا تلك المنصوص عليها في الفصول …”، أي أنه في كل الأحوال، فإن رئيس الحكومة سيوقع بالعطف على الظهير الذي سيصدره الملك، سواء بعد استشارته إذا كانت المبادرة ستكون منه، وإذا كان رئيس الحكومة هو الذي سيتخذ المبادرة، مادام أن الفصل 42 يعطيه هذه الصلاحية.

وفي الأخير، أشير إلى أنه كيفما تطورت الأمور، وفق السيناريوهات الدستورية والسياسية العديدة، فإن هذا الموضوع الذي فتحه حزب الاستقلال، هذه مسألة تضع دستور 2011 على المحك من زاوية وضع الحدود بين الاختصاصات الملكية واختصاصات رئيس الحكومة من جهة، والمجالات المشتركة بينهما من جهة أخرى، علما بأنه لا يُمكن لحزب العدالة والتنمية أن يعتمد سياسة وتصريحات تجعله مدافعا عن الملكية وأن يحرم الأحزاب الأخرى من هذا الحق.

بن يونس المرزوقي أستاذ باحث بكلية الحقوق وجدة

About بن يونس المرزوقي 68 Articles
بن يونس المرزوقي، أستاذ باحث بكلية الحقوق، جامعة محمد الأول، وجدة، المملكة المغربية؛ مهتم بالمجالات التالية: الدراسات الدستورية والسياسية؛ القانون البرلماني؛ العمل الحكومي؛ الأنظمة الانتخابية؛ قضايا النوع الاجتماعي؛ صياغة النصوص القانونية؛ الإعلام والتواصل؛ الحقوق والحريات الأساسية؛ القانون والعلوم الجنائية. وبصفة عامة كل ما يرتبط بالتخصصات التي تندرج في إطار القانون العام.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*