حوار حول التقطيع الجهوي 2014

حوار مع جريدة أخبار اليوم حول التقطيع الجهوي:

لم يجد بنيونس المرزوقي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الأول، من حرج في وصف الدعوة التي أطلقها بعض السياسيين للتراجع عن ضم جهة الريف بالشرق، في مشروع التقطيع الجهوي الجديد، من كونها دعوة تنتمي إلى “السلفية العرقية”؛ وفي أفضل الأحول “السلفية الثقافية”. المرزوقي يتحدث أيضا في دردشته مع “اليوم24″، عن الإنتخابات المقبلة، والجهة التي يجب أن تشرف عليها.
أثار مشروع التقطيع الجهوي الجديد جدلا واسعا، إلى درجة أن أحد السياسيين بالريف تكهن بانتفاضة بالمنطقة، إذا ما تم تمريره، إلى أي حد ترى أن المشروع يستجيب للتطلعات والإنتظارات؟

أعتقد أن كل تقطيع جهوي ستترتب عنه بعض ردود الفعل، وهذه المسألة عادية في المجتمعات التي لا زال تفكيرها مبني على رواسب الماضي. فالمواقف “المناهضة” للمشروع المطروح للمناقشة مع كامل الأسف تدخل في هذا السياق، والمبررات التي يتم تقديمها كلها مبنية على نوع من الرغبة في الانكماش والحفاظ على خصوصية ما.
وفي مقابل ذلك، فإن المشروع نفسه غير مقنع لأنه في عمقه لا زال مبنيا على تقسيمات كان من الضروري إعادة النظر فيها حتى لا يصبح التقسيم الجهوي عبارة عن تجميع للعمالات والأقاليم بهياكلها الإدارية الجامدة والتي لم تخضع بدورها لأي اعتبارات تنموية.
وتبعا لكل هذا، فإنه من الطبيعي أن تكون هناك ردود فعل لن تخرج عن إطار الاستنكار والتنديد… فإذا أخذنا “الشرق والريف” كنموذج، فإننا سنجد أن الشعار المطروح هو “عزل الريف عن الشرق” بدون أن يقدم المدافعون عنه أي مبررات منفتحة على المستقبل، ومبنية على وظيفة وطنية للجهة، بل الاكتفاء بشعارات عامة مبنية على “خصوصية” يعتقدون أنها عامل للتنمية، في الوقت الذي ليست فيه إلا شكلا من أشكال “السلفية العرقية” وفي أفضل الأحوال نوع من “السلفية الثقافية”، ومن الممكن في حالة اعتماده وتعميمه على المغرب ككل أن يؤدي إلى عرقلة مشروع الجهوية “المتقدمة” التي يلزمها جهات قوية، تمتلك وسائلها الخاصة والكافية لبلورة مشروع تنموي متكامل، قادر على منافسة الجهات الأخرى دون إلحاق الضرر بالمكتسبات السابقة.
وإضافة إلى ذلك، فإنه من الضروري عدم السقوط في حسابات سياسية ضيقة من قبيل اعتماد نتائج انتخابات الجماعات الترابية الحالية لتصور إمكانية الاستئثار برئاسة الجهة في الانتخابات القادمة، لأن هذا التصور الذي تم الاشتغال عليه من قبل بعض الهيئات السياسية مغلوط من أساسه ولم يأخذ بعين الاعتبار التحولات التي طرأت على سلوك الهيئة الناخبة انطلاقا من انتخابات النيابية الأخيرة، بل أن هذا التصور ربما في الجهة الشرقية هو الذي أدى إلى ردود الفعل الحالية.
وطبعا هذا ليس معناه أن مشروع التقطيع غير قابل للمناقشة، بل على العكس من ذلك لا زال ينتظره المزيد من النقاش والاشتغال البعيد عن ردود الفعل الآنية.

الجدل حول المشروع، ينذر بأن مسار المصادقة قد يكون طويلا، في الوقت الذي حددت الحكومة ماي المقبل تاريخ انطلاق المسلسل الانتخابي، هل ترى بأن الحكومة والاحزاب جاهزة للشروع في الانتخابات المقبلة وفق الأجندة المحددة؟
إن مسألة إجراء الاستحقاقات في أوقاتها المعلن عنها، تحتاج إلى النظر إليها من زاويتين. فمن الزاوية الأولى المبنية على المساطر التشريعية والتنظيمية العادية، يمكنني القول أنه من الصعوبة بمكان الالتزام بالتواريخ المعلن عنها. فلا زال أمامنا وقت طويل للوصول لذلك، ويكمن السبب في هذا في أن الدورة التشريعية الأولى سيهيمن عليها القانون المالي، وبالتالي يصعب جدا المصادقة على الترسانة القانونية اللازمة لذلك، سواء تعلق الأمر بالنصوص المسطرية (مدونة الانتخابات في مجالاتها الأساسية: اللوائح الانتخابية، التحضير الاقتراع، سير عملية الاقتراع، التمويل العمومي، استعمال الوسائل السمعية البصرية، الطعون الانتخابية) أو تعلق الأمر بالنصوص المرتبطة بالتنظيم والاختصاصات (الجهات، العمالات والأقاليم، الجماعات) إضافة الى ضرورة إعادة النظر في مساطر العمل المعمول بها بخصوص الاختصاصات ذات الطابع المالي…
إن الأمر يتعلق هنا بنصوص جوهرية يلزمها نقاش معمق سواء من أجل ملاءمتها من الدستور الجديد، أو من أجل تطويرها نحو الافضل.
لكن هذا لوحده غير كاف، باعتبار أنه يلزم أيضاً إعادة النظر في النصوص المنظمة للمسلسل الانتخابي للغرف المهنية الأربعة (غرفة التجارة والصناعة والخدمات، غرفة الصناعة التقليدية، الغرفة الفلاحية، غرفة الصيد البحري) والتي لا يمكن بتاتا الاستمرار في التعامل معها بعقلية ما قبل الدستور الجديد. فالأمر يتعلق بمؤسسات تشكل جزء من مجلس المستشارين من جهة، وينبغي العمل على إعادة تأهيلها لتساهم بشكل أفضل في العملية التنموية من جهة أخرى. وهذا دون الحديث عن ممثلي المأجورين والمشغلين.
وعلى هذا الأساس، فإنني اعتبر أنه من المستبعد الالتزام بالتواريخ المعلن عنها. فالنصوص لا زال في مرحلة المشاورات الأولية مع الأحزاب السياسية، ويلزم المصادقة عليها لاحقا داخل المجلس الحكومي أو المجلس الوزاري حسب الحالة، ثم إحالتها على البرلمان بمجلسيه: المناقشة في اللجان، في الجلسات العامة، الإحالة إلى المجلس الآخر للمرور بنفس المسطرة، وقد يتطلب الأمر قراءة ثانية في المجلس الآخر، كما أن النصوص التي ستأخذ طابع قوانين تنظيمية يلزم إحالتها على المجلس الدستوري قصد النظر في مدى مطابقتها مع الدستور…
هذه المسطرة الطويلة، لا يمكن التقليص منها إلا بأسلوب “استبداد” الحكومة وأغلبتها في مجلس النواب، وهي طريقة ستؤدي بالمعارضة إلى مواقف مضادة غير محسوبة على مستوى المسلسل الانتخابي.
أما من الزاوية الثانية، المبنية على “التوافق” خارج البرلمان، وهو أسلوب جرت العادة على اعتماده قبل الدستور الجديد من خلال حسم النقاش في جلسات بوزارة الداخلية، فإنه يمكن فعلا تقليص المسطرة التشريعية إلى أقل مدة ممكنة وبالتالي إجراء الانتخابات في أوقاتها. ورغم أهمية هذا الأسلوب، فإنني اعتبره مصادرة صريحة لحق المؤسسة التشريعية في ممارسة اختصاصاتها باعتبار أنها بدورها قادرة على بلورة هذا التوافق من خلال قبول تعديلات المعارضة والعمل جماعة (حكومة، أغلبية، ومعارضة) على إنجاح هذا الورش الكبير.

الاشراف على العملية الانتخابية لازال يثير الكثير من الجدل، في نظرك كيف يجب أن تكون هذه العملية، وفق مستجدات دستور2011؟
الإشراف على الانتخابات مسألة سياسية بامتياز، لذلك فإن مسألة الإشراف عليها مبدئيا تكون بيد الحكومة. إلا أن هذه القاعدة العامة ترد عليها استثناءات، أهمها إسناد الإشراف إلى هيئة مستقلة.
وبالنسبة لنا في المغرب، فإن الموضوع يستحق المناقشة لأن الأثر السلبي الذي تركه إشراف وزارة الداخلية، بشكل منفصل عن الحكومة، على عمليات الاستفتاءات والانتخابات لا زال عالقا بالأذهان، وعلينا القطع مع هذه المرحلة من خلال الاختيار بين إشراف حكومي بضمانات قوية للنزاهة، وبين هيئة مستقلة.
وأعتقد أن التوجه العام سيكون لصالح هيئة مستقلة باعتبار التراكم الذي حصل في المواقف الحزبية سابقا، وباعتبار أن النقاش بين الأغلبية والمعارضة أخد منحنى آخر نتيجة عدم التجاوب الحكومي مع مبادرات المعارضة في مجالات أخرى.

الرابط: http://www.alyaoum24.com/217187.html

About بن يونس المرزوقي 68 Articles
بن يونس المرزوقي، أستاذ باحث بكلية الحقوق، جامعة محمد الأول، وجدة، المملكة المغربية؛ مهتم بالمجالات التالية: الدراسات الدستورية والسياسية؛ القانون البرلماني؛ العمل الحكومي؛ الأنظمة الانتخابية؛ قضايا النوع الاجتماعي؛ صياغة النصوص القانونية؛ الإعلام والتواصل؛ الحقوق والحريات الأساسية؛ القانون والعلوم الجنائية. وبصفة عامة كل ما يرتبط بالتخصصات التي تندرج في إطار القانون العام.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*