الكاتب: وزغاري
عضو فعال
  
التسجيل : الخميس 17-04-2008
المشاركات : 48
|
حرر في السبت 10-05-2008 06:50 مساء - الزوار : 295
- ردود : 0
ربما نجد ثمة خلط بين مفهومي السلطة والدولة في التداول بين رجال الاعلام والسياسة وبعض المفكرين، على الرغم من ان الادراك المعرفي يفترض وضع مساحة لتحديد معايير السلطة، ومعايير الدولة، باعتبار ان العلاقة بين السلطة والدولة علاقة تركيبية، فالسلطات الحاكمة قد أتخذت اشكالا عدة عبر حركة التاريخ، وتبنت قيما ومفاهيم قد تعتبر متناقضة، لكنها في الاغلب لم تتبنى فهما لموقعها في مساحة الزمن، ومن هنا كانت السلطات الحاكمة تتبدل، او تعيش مراحل تغير، بعضها يطول، والاخر يقصر، وكما انه لايمكن ان يتم تفسير الدولة بالسلطة، فالسلطة لاتعني الدولة بالضرورة، كما ان الدولة ما كانت ابدا تلك الفكرة المتهافتة التي تفسرها بعض النظريات ضيقة الافق والتي سعت الى تبني افكار غير منهجية في محاولة منها لارضاء الحاكم ففسرت الدولة باعتبارها (مساحة من الارض تسكنها مجموعة بشرية وهذه الاخيرة يقودها حاكم)، فهذا التفسير من التهافت بحيث انه لايمكن ان ينطبق على ادنى معايير الدولة. واذا كان الامر كذلك فكل عائلة أو عشيرة يمكن ان تصبح دولة. وهذا التفسير هو في الحقيقة يجافي ما اتفق عليه المؤرخون وعلماء السياسة والاجتماع في تفسير مفهوم الدولة. ولما كان عنوان بحثنا يتحدث عن (منطقة الفراغ) فيجب الملاحظة اننا لا نبحث هنا في موضوعة (منطقة الفراغ) من مفهومها الفلسفي البحت، ولكن من خلال تطبيق هذا المفهوم على عناوين فكرية اخرى. وتتمثل منطقة الفراغ في الكثير من الموضوعات الفكرية والادبية، اضافة الى السياسية، ففي حالة عدم وجود ترابط واقعي بين مفهومي السلطة والدولة، تحدث منطقة فراغ بينهما، وبالتالي تصبح امكانية انهيار السلطة شديدة الوقوع، وهذه في الغالب نتاج لعدم تطابق قواعد السلطة مع قواعد الدولة، ولعل من اهم القواعد الواجبة في قيام الدولة هو اتباعها منهجا فكريا رصينا، وهو ما يمكن ان يصبح تحقيقا واقعيا لعقيدة الجعل الالهي: " أني جاعل في الارض خليفة " والتي فشلت الحكومات في تحقيقها منذ استشهاد امير المؤمنين علي عليه السلام. لقد بقي ذلك الصراع في محاولة تحقيق تجانس بين بين قواعد السلطة والدولة دون الوصول الى تكامل يحقق تطابق بين مفاهيم كل منهما، فقد حدث على الدوام ان سعت السلطة الى ان تتقمص مفهوم الدولة، وافراغها من معاييرها الاصلية، فحاولت السلطة تقديم نفسها باعتبارها هي الدولة وانه ثمة لا فوارق بين مفاهيم السلطة والدولة من اجل ترسيخ مناهج السلطة وان كانت هذه الاخيرة تتبنى قيما منحطة، او انها تضع صياغات الدولة في اطر السلطة، مما يوهم الاخرين بان السلطة هنا هي الدولة، وهذا ما حدث منذ الحكم الاموي والعباسي، مرورا بالامبراطوريات المتعاقبة، حتى تكرست الفكرة في عصر الطاغية صدام الذي اعتبر نفسة السلطة والدولة والحكم في آن واحد. فصدام قد خلق حالة من التماهي بين السلطة والدولة، كما خلق حالة من التماهي بينه وبين شخصيات تاريخية موهما نفسة والاخرين باعتباره امتدادا وجوديا لها، لقد عاش في أطر ديماغوجية خلقها عقله المريض حتى تم الغاء مفهوم الدولة تحت ضغط دكتاتورية السلطة، ثم تم تحجيم السلطة وحصرها بشخص صدام في محاولة منه لتاليه نفسه بعتباره السلطة والدولة والحكم، فقد اراد تحقيق نفس المعادلة الالهية ولكن باسس وتشريعات وضعية، فمحاولته بالغاء منطقة الفراغ بين السلطة والدولة كانت ناتجة عن عملية تأليه الذات، وهو هنا لايختلف كثيرا عن فرعون مصر، كما لايختلف عن ملوك الامويين عندما كانت السلطة تعني الدولة، وإن تبنت هذه السلطة قيما منحطة في إدراتها لمشروع الدولة.
تطور مفهوم الدولة:
لاشك ان معايير اسس الدولة قد تطورت عبر حركة التاريخ، ففي الوقت الذي لايزال البعض يؤمن بان الدولة ماهي إلا " منظمة يتم فيها اخضاع مصائر الاكثرية لحكم الاقلية " وهذه الفكرة تكشف الكثير من التهافت في عقيدتها باعتبارخا خلافا للواقع، حتى اعتبرها الفيلسوف البريطاني توماس مور " مؤامرة من الاغنياء في ادعائهم ان مصالحهم تشريعات قانونية "، في المقابل نجد ان الدولة العربية في العصرين الاموي والعباسي قد تبنت العقيدة الرومانية في فصل الحاكم عن الشعب، وفي وقت سابق ايضا راى ماركس: " ان الدولة تمثل مصالح الطبقة الحاكمة سواء كانت عمالية او برجوازية ". لكن التطورات التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية اظهرت نماذج عدة تتراوح بين النموذج الاشتراكي، ونموذج العقد الاجتماعي، وحاول البعض ايجاد حالة من التزاوج بين النموذجين فطرح شكلا مشوها آل بالتالي الى تحول انظمة الحكم الى جمهوريات ملكية، فصارت وراثة الحزب الحاكم شيئا معروفا في العديد من لادول العربية. كما حاول البعض طرح فكرة سلطة الدولة، من خلال تصور ان السلطة هي الدولة وانه لاثمة تنازع بينهما. وهذه الفكرة ترتكز على نفس العقيدة القديمة التي ظهرت في بدايات العصر الاموي والتي تحدثنا عنها سابقا، لكنها سعتهنا الى الغاء او نفي امكانية التنازع بين مفهومي السلطة والدولة، مما يؤدي الى افراغ المجتمع من مكانته البنيوية، وتعطيل الاتجاهات الفكرية لدى المفكرين والفلاسفة، حيث ستتبنى السلطة الحاكمة عملية ادارة المجتمع من منظور مصلحة السلطة، وليس من منظور حاجات المجتمع، وقد حاولت بعض السلطات ان تطرح مفهوم حكم المجتمعأ او سلطة المجتمع مع الحفاظ على السلطة الحاكمة، وهي هنا تحاول القفز على مفاهيم السلطة البرلمانية بحجة ان (المؤتمرات الشعبية) هي الممثل الوحيد لسلطة الشعب كما هو مطروح في فكرة الحكم الجماهيري في ليبيا.
سلطة المجتمع المدني:
ظهرت حركات المجتمع المدني للرد على السلطات العسكرية التي تبنت عسكرة الحكم بعد الحرب العالمية الاولى، وقد يدعي البعض بانها نتاج للفكر الاشتراكي الذي ساد اثر سيطرة الاحزاب الشيوعية والاشتراكية على الحكم وخاصة في روسيا، على اثر حركة اكتوبر سنة 1917 ، ثم النشاط الاشتراكي الذي ظهر بعد الحرب الثانية ممثلا بالنقابات والتجمعات العمالية. ولكن الدراسة التحليلية لعمل النقابات و لنشاطها الاجتماعي تكشف بعدها عن قيادة المجتمع المدني، بل انها ولفترات طويلة صارت عبئا على العمل الاجتماعي بعد انضوائها تحت تنضيمات سياسية حاكمة او معارضة, في حين ان فكرة العمل الاجتماعي لاتتعلق بالجانب السياسي بقدر تعلقها بكونها جهة خدمية تتبنى موقف المجتمع، وترسم علاقته الايجابية بالتطور من خلال تتنظيم بنى اجتماعية تتخذ موقفا ايجابيا من حاجيات الفرد والمجتمع دون التاثر بالمواقف السياسية، والفكرية. وقد تنضوي تحت خيمة العمل الاجتماعي شخصيات فكرية وسياسية او حرفية ومهنية، تحمل هم المجتمع وتتطلع لتحقيق احتياجاته في اطر تنظيمية. لاشك ان منظمات المجتمع المدني ستصبح بمرور الوقت مؤثرة في سن القوانين وتطبيقاتها، كما انها تصبح اكثر تاثيرا كلما ترسخت في البناء الاجتماعي وتم تقبلها من قبل الافراد والجماعات. من جانب آخر نلاحظ ان سلطات المجتمع المدني لا تعتبر موقفا ضاغطا على الاتجاهات السياسية ولكن يمكن اعتبارها مؤثرة في شكل الاتجاهات السياسية ونموها، وحيث انها منظمات تمثل اتجاها خدميا فهي في الواقع تتأثر الى حد ما بنوع نظام الحكم من جانب، وبقوة السلطة وقدرتها على تحقيق شكل الدولة من جانب آخر باعتبار ان منظمات المجتمع المدني مكونة من افراد، وهنا يجب ملاحظة تاثر الفرد بطبيعة الاوضاع السياسية والاقتصادية اضافة الى التأثيرات الخارجية هذا غير ما يطرح الاعلام من تحليلات وآراء. غير ان اهم ما يمكن ان تحققة منظمات المجتمع المدني يكمن في قدرتها على مليء الفراغ بين شكل السلطة والدولة. إن ادراك منظمات المجتمع المدني لفكرة انها لاتحل محل السلطة ولا الدولة مهمة جدا في قدرتها على الاستمرار بالعمل الخدمي والارشادي، اضافة الى ان تصبح جزءا من مراكز البحث المتخصص التي توفر المعطيات الاساسية للبحوث الاجتماعية والاستراتيجية.
مستقبل السلطة والدولة:
يتوقف مستقبل اي سلطة على قدرتها في تحقيق اهداف بنائها الفكري والاجتماعي والاقتصادي، فالبرامج السياسية التي تطرحها الاحزاب الحاكمة يجب ان تسعى الى تحقيق هذه الاهداف وإلا فلا استمرارية لها، ولا بقاء، ومن هنا تكمن اهمية مصداقية الاحزاب في طروحاتها السياسية، في الاغلب لايرتبط مستقبل الدولة ببقاء السلطات باعتبار ان السلطات تتبدل لكن الدولة تبقى, غير ان الفهم اللاواقعي لحجم السلطة يوقع الكثير من رجالاتها في فخ التحول الى آلهة وبالتالي نراهم غير راغبين في التخلي عن مواقعهم حتى وان خسروا هذه الكراسي عبر صناديق الاقتراع، وهذا ما لانزال نلاحظه حتى بعد التحول عندما خسر بعضهم مواقعه، وبدلا من القبول والتحول الى معارضة حقيقية تتبنى مصالح الشعب وتكون مرآة للحكومة نتفاجيء بتخليهم عن كم الشعارات والخطابات التي ازعجت اسماعنا ليتحولوا الى خناجر تندك في الخاصرة. لم يتمكن هؤلاء من التحول الى عناصر فاعلة تشغل منطقة الفراغ، وتقود عملية التحول. لاشك ان الدولة العراقية مرت على الدوام بهزات عنيفة اودت بالكثير من عواملها ومرتكزاتها منذ عهد البعث وقبله، غير ان الدولة الحالية تكشف عن كيانها المستقبلي، وهي كطائر الفينيق ينهض من رماده، ودولة العراق مرشحة ان تستعيد عافيتها ويمكن ان يصبح كل هذا الدم سمادا للشجرة العتيقة.
أحمد وزغاري.
|