|
مقدمة :
عرف المجتمع المغربي مثله مثل باقي المجتمعات المعاصرة الأخرى ظاهرة التعمير، وحاول
معالجة مختلف المشاكل والقضايا في ميدان البناء والتجهيز اجتهادات متعددة ومتنوعة
من طرف الباحثين والمختصين بهدف تحسين الوضعية السكنية والرفع من مستوى العيش
بالمناطق الحضرية[1].
ولاشك أن التطور العمراني الذي عرفته المدن هو الذي أفرز أشكالا من مجموعات من
المشاكل العقارية المرتبطة بوضعية الأراضي، فبالرغم من عدم إغفال المشرع لتنظيم هذا
القطاع إلا أن المقتضيات القانونية ليست قادرة لوحدها على حل هذه المشاكل والحد من
تجاوزات الخواص، وقد تبين لنا هذا من خلال سجلات المحاكم خاصة المحكمة الابتدائية
بالناظور، بمجرد تصفح الأوراق الأولى من السجل الخاص بمخالفات التعمير يتبين مدى
ارتفاعها وهذا إن دل على شيء إنما يدل على الدور الذي يلعبه القضاء كجهاز مكمل
للقانون من اجل ردع كل من سولت له نفسه للقيام بمخالفات في البناء.
وانطلاقا من الأحكام التي أتينا بها سنعمل على معالجة دور القضاء من أجل التحكم في
التعمير والعقار بصفة عامة، كما سنعمل على التعليق على الأحكام ودراستها من أجل
معرفة تدخل القضاء لتوفير ما يحتاج إليه برنامج التعمير والبناء ومن أجل توضيح
شفافية السوق العقارية وعصرنة النظام العقاري.
هذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال طرح إشكاليات تتمثل في :
- الإجراءات المسطرية في مخالفات البناء ( المبحث الأول).
- التعليق على العمل القضائي من خلال الأحكام ( المبحث الثاني).
المبحث الأول :
الإجراءات المسطرية بشأن مخالفات البناء.
إن مخالفات التعمير فضلا عن كونها تخضع بالنسبة للإجراءات المسطرية إلى قانون
المسطرة الجنائية فهي تخضع لبعض الإجراءات المسطرية المنصوص عليها في قانون
التعمير.
فعلى مستوى القضاء تشكل النيابة العامة أهم فاعل، حيث أن الضابطة القضائية تعمل على
تحريك الدعوى العمومية وتكييف المحاضر المحالة عليها تكييفا قانونيا.
وتجدر الإشارة إلى أن ضبط هذه المخالفات خول لها المشرع إمكانية الضبط وهذا لجهات
متعددة إلا أن معظم الأعوان لا يتوفرون على الخبرة التقنية التي تسمح لهم بضبط هذه
المخالفات كما أن النقص القانوني في التكوين هو الآخر يساهم في هذه الإشكالية.
ومن جهة نظرنا نرى أنه لا يجب الاعتماد على المحاضر التي ينجزها الأعوان بل يجب
إحالتها على الضابطة القضائية وطرح الموضوع أمامها بحضور المخالف من اجل حل
الإشكالية. وإن كان في هذا الحل تطويل المسطرة وإرهاق الضابطة القضائية زيادة على
المصروفات خاصة لدى المتعاملين مع القضاء، إلا أنه من اجل تطبيق قضاء عادل ونزيه
لابد من المرور بهذه المراحل.
وبالرجوع على المسطرة المتبعة فهي تتم على الشكل التالي :
- التحقق من هوية المخالف ومهنته وظروفه الاجتماعية.
- القيام ببحث من طرف ضابط الشرطة القضائية وطرح أسئلة على المخالف واستجوابه.
أما عن إمكانية الدفاع فتكون في مرحلة البحث التمهيدي ثم يوقع على المحضر.
وما ينبغي الإشارة إليه هو أن المحاضر المنجزة من طرف الأعوان المكلفين بضبط
مخالفات البناء تصنف ضمن المحاضر التي لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور كما أن هذه
المحاضر تكون عبر مرحلتين :
مرحلة المحضر الأول : المنجز من طرف العون التقني.
مرحلة المحضر الثاني : المنجز من طرف الضابطة القضائية.
كانت هذه هي الإجراءات المسطرية لننتقل بعد ذلك لأهم مرحلة وهي مرحلة المحاكمة.
فعند عرض النازلة على القاضي يتم استحضار التكييف القانوني لهذه المخالفات بمعنى هل
يطبق قانون المسطرة الجنائية أم قوانين أخرى.
للإجابة سنطلعكم على الأحكام التالية :
حكم 534 عدد 7221/ 03 بتاريخ 20/ 2/ 2007 الصادر عن ابتدائية الناظور والتي ذهبت
إلى اعتبار بناء بدون رخصة جنحة طبقا لظهير 1992.
وتتمثل وقائع القضية في أن الضنين ضبط وهو يقوم ببناء طابق أول دون توفره على رخصة
قانونية من طرف المصالح المختصة فتم إنذاره من اجل إيقاف البناء فلم يستجب وبعد
إحالة الملف على وكيل الملك مرفوقا بشكاية من رئيس المجلس إلا أنه بعد إدراج الجلسة
تخلف عن الحضور وبعد الاستدعاءات المتكررة تابعت المحكمة الدعوى وحكمت عليه بغرامة
قدرها ألف درهم مع تحميله الصائر والإجبار في الأدنى وهذا مراعاة لظروفه
الاجتماعية.
ومن خلال الاطلاع على مجموعة من الأحكام فالمحضر يسلك طريقا جنائيا وهو ما يتماشى
مع مقتضيات قانون المسطرة الجنائية.
المبحث الثاني :
التعليق على الأحكـــــام.
لقد اعتمدنا في هذه الدراسة على دراسة ميدانية من اجل الاطلاع على الأحكام الصادرة
عن ابتدائية الناظور وبالاطلاع عليها نخرج بالملاحظات التالية :
- أن المحكمة ذهبت إلى اعتبار المحاضر المنجزة في مجال المخالفات أنها محاضر منجزة
في إطار الفصل 292 من قانون المسطرة الجنائية.
- أن المحكمة قضت بالهدم.
- أن الغرامة تتراوح ما بين 500 و1000 درهم وهي غرامة مرنة بالمقارنة مع قيمة
البناء.
كما نسجل على هذه المحاضر المنجزة في إطار المخالفات هي أنها على شكل مطبوع منجز
سلفا ويتضمن نفس الحيثيات، فما يتم تغييره هو الاسم والغرامة.
إلا أن ما نعلق عليه هو أن الغرامة مخففة جدا مما تكون معها إمكانية المعاودة
والرجوع على المخالفة إمكانية متاحة، فحبذا لو تم رفع من الغرامة أو حتى الاعتماد
على عقوبة سالبة للحرية حتى يتعض الجميع.
كما نلاحظ أن المخالفات صعبة ومخالفة للقانون كإقامة طابق ثالث في مكان غير مسموح
بذلك والغرامة هنا قدرها 500 درهم[2].
وما أثار انتباهنا على هذه الأحكام هو أن النيابة العامة تتابع الضنين
ويحال المحضر على وكيل الملك مرفقا بشكاية رئيس المجلس البلدي إلا أن الجهة
المشتكية تتنازل عن شكايتها بسقوط الدعوى العمومية في مخالفات البناء. فكيف يعقل أن
البناء غير قانوني اعتمادا على المعاينة وتم اسقاط الدعوى، فهل هناك جهات تتدخل أم
أن هناك نفوذ أم أن هذا راجع لظاهرة الرشوة المتفشية ببلادنا[3].
فهنا نقول بأن دور النيابة العامة يختلف بخصوص الملتمسات كما أنه ليس هناك ضبط
لمنطوق الحكم حيث يتم الاعتماد على التخفيف. فكيف إذن أن من بنى منزلا قيمته تتراوح
أكثر من 40.000.000 والغرامة قدرها 1000 درهم.
وفي ما يلي الاحصائيات التالية :
|
2005 |
2006 |
|
635 مخالفة |
- 420 مخالفة في حالة بناء بدون رخصة
- 193 مخالفة في مخالفات التصميم المصادق عليه.
|
أما عن سنة 2007 فقد بلغ في شهر يناير عدد المخالفات في البناء إلى 59 مخالفة وفي
شهر فبراير إلى 50 مخالفة، وشهر مارس 49 مخالفة، وشهر أبريل 10 مخالفات أما عن شهر
ماي فقد بلغت مخالفتين.
أما عن باقي المخالفات مثلا بناء عشوائي أو بناء في ملك عمومي فلم تسجل أية مخالفة.
وباستقراء الأحكام والاحصائيات يظهر أن حركة العمران تعرف مخالفات كثيرة وهذا يعود
بالدرجة الأولى إلى تعدد الأجهزة الإدارية وعدم القيام بمراقبة قبلية والاكتفاء فقط
بالبعدية كما أن سقوط الدعوى العمومية هو الآخر يساهم في مخالفات البناء.
خاتمة :
من أجل تجاوز هذه الإشكالية لابد من إحداث قضاء متخصص لقضايا التعمير، وتكوين قضاة
متمرسين واعتبار قضايا التعمير من المشاكل التي تحضى بأهمية كبيرة ومعالجة المشكل
ومراقبته بوضوح ينبغي توفير إمكانيات مادية وبشرية ووضع سياسة تعميرية لضبط كافة
الاستغلالات على المدى القريب والمتوسط والبعيد كما نرى أنه ينبغي خلق مراكز حضرية
جديدة وتأطير مدن صغيرة ومتوسطة وتحسين مستوى العيش بالبوادي وتجهيزها.
[1]-
عبد الهادي مقداد : السياسة العقارية في ميدان السكنى والتعمير، الطبعة
الأولى 1421، 2000، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 7 .
[2]
- حكم 1303/ 7 عدد 201/ 056 تاريخ 05/ 06/ 07 .
[3]
- حكم 203/ 7 ، ملف 9219 م 01 تاريخ 23/ 1/ 07 .
- حكم 1829 / 06، تاريخ 05/ 12/ 06 .
- حكم 201/ 06، تاريخ 05/ 12/ 06 .
|