مـقـدمـة
لقد
عرفت بلدان العالم في مجملها تزايدا ديمغرافيا كبيرا وذلك منذ عهد الثورة الصناعية
مما نتج عنه تضخم السكان بالمدن بسبب الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن بحثا عن
مستقبل أفضل، وأمام هذه الظاهرة وما أفرزته من مشاكل التمدن، سارعت جل الدول ومن
بينها تونس إلى إصدار العديد من القوانين من أجل ضبط التعمير في اتجاه خلق نوع من
التوازن والتناسق في هذا المجال.
وقد
عرف بعض الباحثين[1]
قانون التعمير بأنه مجموع القواعد والمؤسسات التي يتم إعدادها وذلك لغاية تحقيق
تخصيصات للفضاءات تتماشى وأهداف التهيئة كما تريدها السلطات العمومية (الدولة
والجماعات المحلية والهياكل التابعة لها) والملاحظ أن المشرع التونسي في أغلب
النصوص المنظمة لمجال التعمير قام بالتنصيص على عقوبات إما في شكل غرامة أو الحبس
أو الهدم.
ومن
خلال هذا التقديم، تطرح بعض التساؤلات كالآتي:
إلى
أي حد استطاع المشرع التونسي ضبط قواعد التعمير؟ وما هو دور القضاء في هذا المجال؟
وللإجابة على هذه الأسئلة ارتأينا أن نقسم موضوع عرضنا إلى مبحثين كالتالي:
المبحث الأول: وثائق التعمير، المخالفات وعقوباتها في التشريع التونسي
المبحث الثاني: طبيعة العقوبات المقررة وتفعيل الدور الرقابي للقضاء التونسي.
المبحث
الأول: وثائق التعمير، المخالفات وعقوباتها في التشريع التونسي
لقد
وضع المشرع التونسي ترسانة قانونية من أجل ضبط وإحكام سيطرته في مجال التهيئة
الترابية والتعمير، وذلك من خلال إقراره لمجموعة من الضوابط التي يجب اتباعها
للحصول على رخصة التعمير طبقا للقواعد القانونية المعمول بها في هذا المجال وفي
مقابل ذلك أوجد عقوبة لمن خالف هذه القواعد وذلك رغبة من المشرع في تنظيم مجال
التهيئة الترابية والتعمير بتونس.
وبناءا على ما سبق سنقسم هذا المبحث إلى مطلب أول نخصصه للوثائق اللازمة لملف
التعمير وفي المطلب الثاني نخصصه لمخالفات التعمير والعقوبات المقررة في التشريع
التونسي.
المطلب
الأول: الوثائق اللازمة لملف التعمير بتونس
للحصول على رخصة البناء والتقاسيم بتونس، لا بد من إعداد ملف يحتوي على مجموعة من
الوثائق التي يتطلبها القانون من أجل
جعل
عملية التعمير مطابقة لسياسة المشرع التونسي الهادفة إلى تنظيم هذا المجال من كل
اعتباطية قد تسود ميدان التعمير لذا سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين نخصص الفقرة
الأولى للحديث عن الوثائق المكونة لملف البناء على أن نخصص الفقرة الثانية للوثائق
المكونة لملف التقسيم.
الفقرة
الأولى: الوثائق المكونة لملف رخصة البناء
من
أجل تفادي البناءات الفوضوية تم وضع مجموعة من الوثائق الإجبارية من أجل الحصول على
رخصة البناء وتتمثل هذه الوثائق في ما يلي:
-ثلاثة نسخ من المشروع المزمع إقامته.
-مطلب على ورق عادي ممضي من طرف طالب الرخصة
-شهادة ملكية أو حكم استحقاقي أو وثيقة أخرى في تملك الطالب لقطعة الأرض المزمع
إقامة البناء عليها.
-تصريح بالدخل السنوي
-خلاص معلوم الأداء البلدي على العقار
وإذا كانت هذه هي الوثائق الخاصة بملف البناء، فمت هي الوثائق الخاصة بملف التقسيم؟
الفقرة
الثانية: الوثائق المكونة لملف التقسيم
يتضمن ملف مشروع التقسيم وجوبا على الوثائق التالية:
أ-مطلب محرر على مطبوع خاص تسلم من الإدارة ممضي من طرف المالك أو المالكين أو
وكلائهم.
ب-مذكرة تقديم لعملية التقسيم
ج-وثيقة تملك (رسم عقاري عقد ملكية، حكم استحقاقي).
د-مثال موقعي للأرض المراد تقسيمها.
هـ-مثال الرسم العقاري إن كانت الأرض مسجلة وإن لم تكن كذلك فمثال يشخصها بمقياس
1000/1 على الأقل مرتبط بالإحداثيات الجغرافية ومعد من قبل مهندس مساح.
و-مثال يبين مختلف الارتفاعات عن سطح الأرض المراد تقسيمها والأراضي المحاذية حسب
وضعيتها الحالية، بمقياس 1000/1 على الأقل معد من قبل مهندس مساح.
ز-مثال تقسيمي بمقياس 1000/1 على الأقل
ح-رسم يبين التركيبية العامة للمشروع
ط-شروط وكيفية إنجاز الأشغال في صورة القيام على مراحل
ي-شهادة من كل مصلحة مختصة تثبت أن الأرض المزمع تقسيمها يمكن تطهيرها أو تزيدها
بالماء الصالح للشراب أو بالطاقة الكهربائية أو قابلة للربط بشبكة الاتصالات.
من
خلال هذه الوثائق المتطلبة للحصول على رخصة للتعمير نلاحظ تداخل العديد من الجهات
التي لها الإشراف على المشروع.
المطلب
الثاني: المخالفات وعقوباتها في التشريع التونسي
إذا
لم يتم مراعاة الشروط المنصوص عليها قانونا قابل المشرع التونسي ذلك بمجموعة من
العقوبات وهذا ما سنوضحه من خلال الجداول الآتية:
أ-العقوبات المترتبة عن مخالفة الأحكام المتعلقة بالتقسيمات
|
الفصول |
المخالف |
العقوبة |
|
67 |
فكل مالك أو باعث عقاري يقوم بإنجاز تقسيم غير مصادق عليه أو بيع مقاسم
منه |
السجن لمدة تتراوح بين 16يوما إلى 3 أشهر وبخطية تترواح بين 500 دينار
و 20000 دينار أو بإحدى العقوبتين فقط غير أنه في حالة العود يصبح
العقاب بالسجن محتما |
|
77 |
كل مالك أو باعث عقاري لا يتجزأ أشغال التهيئة كليا أو جزئيا أو لم
ينجزها حسب المواصفات الفنية المصادق عليها من طرف السلطات المختصة
وضمن ما هو مشروط في الكراس |
خطية (غرامة) تتراوح بين 500 دينار و 50.000 دينار. |
|
78 |
يجوز للمشترين أو المتسوغين
المتضررين أو للبلدية أو للولاية حسب الظروف والوزارة المكلفة بالتعمير
في جميع الحالات بسبب عدم مراعاة الأحكام المتعلقة بالتقسيم أو بكراس
الشروط |
بطلان عقود البيع أو التسويغ.
ويكون ذلك على تفقه البائع أو المسوغ، بغض النظر كذلك عن التعويضات. |
|
79 |
في جميع الحالات التي يكون يفها القائم بالتقسيم مدينا بمبالغ مالية
تجاه المشترين أو تجاه الجماعة العمومية المحلية وكان معسرا. |
يتعرض للعقوبات المنصوص عليها بالفصل 291 من المجلة الجزائية. |
*العقوبات المترتبة عن مخالفة الأحكام المتعلقة برخص البناء.
|
الفصول |
المخالفة |
العقوبة |
|
80 |
يجب على كل من رئيس البلدية أو الوزير المكلف بالتعمير كل حسب اختصاصه
اتخاذ الإجراءات التالية. |
إيقاف الاشغال وحجز مواد البناء ومعدات الحضيرة وكذلك وضع الاختام عند
الاقتضاء |
|
82 |
يمكن للسلطة الادارية بعد التماس يوجه إليها من قبل المخالف داخل أجل
شهرين |
بهدم البناية على نفقة المخالف |
|
84 |
في جميع الحالات التي يقع فيها إقامته بناء بدون رخصة. |
هدم البناء غرامة تتراوح بين 1.000 دينار و10.000 دينار |
|
[2]84 |
في حالة عدم حصول المالك أو المكتري على رخصة لتغيير صبغة محل معد
للسكنى أو جزء منه بالرغم
من حصول على الموافقة الكتابية من المالك
|
غرامة تتـــراوح بين1000 ديــنار و 10000 دينار |
|
85 |
في حالة ارتكاب مخالفة الاتلاف والاضرار لعلامات التحديد |
غرامة تتراوح بين 500 دينار و 5000 دينار |
|
86 |
يقع تتبع أصحاب الاشغال وكذلك المهندسين والمقاولين وكل شخص مسؤول عن
عدم احترام المقتضيات او الاتفاقات المتعلقة بموقع البناية او علوها أو
المسافة الواجب احترامها بين حدود الاجوار. |
خطية تتراوح بين 500 دينار و 5000. |
المبحث
الثاني: طبيعة العقوبة المقررة وتفعيل الدور الرقابي للقضاء التونسي
إن
نجاح عمليتي التقسيم والبناء بتونس واعتبارهما عنصرا هاما من عناصر التعمير، وكذلك
ضمانة لتوسع عمراني رشيد ومنظم، لذا عمد المشرع التونسي من خلال مجلة (أي قانون)
التهيئة الترابية والتعمير،[3]
على تفادي بعض سلبيات التوسع العمراني العشوائي أو البناء الفوضوي من خلال تقريره
من العقوبات بالإضافة إلى تفعيله لدور القضاء في مراقبة تلك المخالفات المرتكبة
وعليه سنقسم هذا المبحث إلى مطلب أول نخصصه لطبيعة العقوبة المقررة لمخالفات
التعمير بتونس، ثم مطلب ثاني نتعرض فيه للدور الرقابي للقضاء بتونس.
المطلب
الأول: طبيعة العقوبة المقررة لمخالفات التعمير بتونس
تتقسم هذه العقوبات إلى عقوبات جزائية وأخرى مدنية بالنسبة للعقوبات المدنية، فطبقا
للفصل 78 قرر المشرع التونسي إبطال عقود البيع أوالتسويغ ويكون ذلك على نفقة البائع
أو المسوغ بصرف النظر عن التعويضات المدنية، فإن المشرع حدد الأشخاص المخول لهم حق
المطالبة بالبطلان وهو المشتري أو المسوغ دون البائع ورئيس الجماعة المحلية المختص
ترابيا حسب الظروف والوزير المكلف بالتعمير في كل الحالات، وهذا الجزاء موكول على
المحكمة المدنية.
كما أوجب الفصل 78 من
مجلة التهيئة الترابية والتعمير على السلطة المعنية أن تقوم مسبقا بتنبيه المقسم
المخالف على احترام الشروط المدرجة في الكراس وإلا تم انتزاعه من طرف السلطة وإعادة
بيعه.
ويلاحظ على هذا الإجراء أنه يتطلب إمكانية مالية هامة لتمويل عملية القيام بالأشغال
أو الانتزاع[4].
أما
بالنسبة للعقوبات الجزائية، نلاحظ أن المشرع التونسي قد عمد إلى تشديد العقوبة
مقارنة مع ما كان عليه الأمر في التشريع السابق. وذلك بإقراره لعقوبة السجن
بالإضافة إلى الغرامات المالية.
ويلاحظ أن المشرع التونسي تابع المقسم المعسر الذي قبض الثمن بما هو منصوص عليه في
الفصل 291 من المجلة الجزائية المعمول بها بتونس إلا إذا أثبت المقسم المعسر أن
أسباب عسره خارجة عن إرادته.
المطلب
الثاني: الدور الرقابي للقضاء بتونس
إن
مراقبة القضاء العدلي الجزائي والمدني لعمليات تخصيص الفضاء العمراني يتجلى من خلال
الأحكام التي يصدرها في هذا المجال وكل ذلك من أجلب ضبط النمو الحضري على المدى
البعيد ووضع أنسجة حضرية منسجمة.
وعليه سنقسم هذا المطلب إلى فقرة أولى نخصصها المراقبة القضاء المدني لمخالفات
التعمير ونخصص الفقرة الثانية لمراقبة القضاء الجزائي لمخالفات التعمير.
الفقرة
الأولى: مراقبة القضاء لمخالفات التعمير
يرجع للقاضي المدني اختصاص البت في النزاعات بين الخواص وكذلك في أشغال بناء تم
خلافا للرخصة أو تم بدونها أو في ما يتعلق بأشغال تهيئة تقسيم لم تتم على خلاف
المواصفات المشروطة، وكذلك يختص القضاء المدني بالنظر في كل نزاع متعلق بجبر ضرر
يحصل للشخص من جراء بناء غير مرخص فيه. وهذه النزاعات تفصل فيها المحكمة الابتدائية
طبقا للمادة 40 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية[5].
أما
النزاعات بين الأجور المتعلقة بالتعويض فيرجع الاختصاص إلى حاكم الناحية أو المحكمة
الابتدائية وفقا لمقدار الطلبات طبقا للمادة 39 و 40 من نفس المجلة حيث الدعاوي
التي تساوي أو تقل عن سبعة آلاف دينار فهي من اختصاص حاكم الناحية في الحالة الأولى
يمكن للقاضي أن يستجيب لطلب المدعي بالإذن يهدم البناء المخالف بإزالة مجسماتها.
الفقرة
الثانية: مراقبة القضاء الجزائي بتونس
تتجلى هذه الرقابة من خلال نتائج العقوبات المسلطة من طرف القاضي الجزائي على
المخالفين في ميدان التعمير حيث تتميز هذه العقوبات بطابع دعي، من شأنها زجر
المخالفين.
خــاتــمــة
كما
لا يخفى على أحد أن العمران دائم التغير والتطور وأن التوسع العمراني عملية
متواصلة، فيها ما يخضع إلى القواعد الجاري بها العمل وبعضها يتجاوز هذه القواعد بل
يخالفها وذلك راجع إلى عدة اعتبارات. وهكذا نلاحظ أن مجلة التهيئة الترابية
والتعمير التونسية تنص على مجموعة من النصوص القانونية ترمي إلى ضبط التوسع
العمراني والحد من السكن اللاقانوني، وذلك من خلال نهج سياسة الوقاية، وكذلك تحسين
العلاقة الثنائية بين الإدارة والمواطن في مواقع متعددة كآجال البت في القضايا
المتعلقة بالتعمير وكذلك يسجل على التنظيم القضائي التونسي وجود محكمة عقارية،
الشيء الذي يؤدي إلى تأهيل المدن التونسية، والاستجابة إلى متطلبات العصر.
قائمة
المراجع
صالح بوسطعة :"التعمير في القانون التونسي".
سنة
1999، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية.
المواقع الإلكترونية:
www.commune-elksar.gov/sit-web/ar/main-Relation.htm.19-06-2007.
21h00min
www.Sicad.gov.tn/yn/11/ar/organi 20/06/2006. 19h30min.
[1]
-صالح بوسطعة، التعمير في القانون التونسي، ط 1999، المطبعة الرسمية
للجمهورية التونسية، ص: 26.
[2]
- الفصل 84 مكرر أضيف بالقانون عدد 78 لسنة 2003، المؤرخ في 29 ديسمبر
2003.
[3]
-قانون عدد 122 لسنة 1994 مؤرخ في 28 نوفمبر 1994 يتعلق بإصدار مجلة
التهيئة الترابية والتعمير.
[4]
- صالح بوسطعة، التعمير في القانون التونسي، الطبعة 1999 المطبعة الرسمية
للجمهورية التونسية، ص: 488.
[5]
-تم تنقيحها بالقانون عدد 43 المؤرخ في 2 ماي 1995.
|