|
مقـدمة:
عرفت دول المغرب العربي كباقي الدول الأخرى تطورا عمرانيا مهما، أصبحت معه
جميع المراكز الحضرية في توسع مستمر بفعل التزايد الملحوظ لعدد السكان سواء
المحليين منهم، أو النازحين من المراكز القروية بسبب غياب الإهتمام بالواقع
المعيشي بالبادية، فأدى هذا الوضع بالتبعية إلى ارتفاع الطلب على السكن
بشكل لا يتناسب وحجم النمو الإقتصادي، فأصبح الحصول على سكن في كثير من
المدن المغاربية من قبيل المستحيل بفعل الغلاء الفاحش للعقارات.
وقد خلق هذا الوضع نوعا من الإضطراب في السوق العقارية، خصوصا في ظل تنامي
بعض الظواهر التي تشهدها وتأثر عليها من قبيل المضاربات،
والبناء السري والسكن العشوائي على ضواحي المدن، مما جعل إمكانية الإحاطة
بهذه المشاكل من الصعوبة بما كان.
ولما كان هدف أي سياسة عقارية ناجحة هو التحكم بشكل فعلي في تأطير المجال
العمراني وتوجيهه، فإن هذا المبتغى أضحى مسعى دول المغرب العربي التي
تحذرها الرغبة الأكيدة في بلورة هذه الأهداف على مستوى الواقع والممارسة
العملية، وذلك بقصد إنجاح المشاريع العمرانية وتذييل كل المعوقات التي من
شأنها أن تقف حاجزا في وجه التنمية الإقتصادية والإجتماعية.
ومن جملة الأمور التي تأثر سلبا على ميدان التعمير نجد المخالفات التي
تتخلل عمليات البناء وإحداث التجزئات أو المجموعات السكنية أو أشغال
التجهيز أو غيرها من المخالفات التي تستلزم التدخل المباشر من السلطات أما
بإيقاف الأشغال أو إعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو هدم ما تم إنشاؤه
والمخالف للمقتضيات القانونية المذكورة في قوانين التعمير الخاصة بكل دولة
من دول المغرب العربي.
وقبل أن نبحث في مخالفات التعمير بدول المغرب العربي، لابد من الإشارة
أننا تعمدنا إقصاء دولتين مغاربيتين من محل دراستنا ويتعلق الأمر بكل من
ليبيا وموريطانيا وذلك لأنهما لا تعاني من مشاكل التعمير المطروحة بحدة في
كل من المغرب والجزائر وتونس، لسبب بسيط هو أنه هاتين الدولتين تتميز بقلة
الكثافة السكانية مما يجعل معها تلك المشاكل المذكورة آنفا غير مطروحة.
وللإحاطة بمجمل المخالفات المتعلقة بمجال التعمير ارتأينا تقسيم الموضوع
إلى مبحثين وذلك وفق خطة البحث التالية:
المبحث الأول: مخالفات التعمير في القانون الجزائري والتونسي
المبحث الثاني: طبيعة عقوبات مخالفات التعمير ودور القضاء في التقليص من
حجمها
المبحث الأول:
مخالفات التعمير في قوانين التعمير الجزائرية والتونسية
تعرف الجزائر وتونس كغيرها من دول المغرب العربي انتشارا واسعا لظاهرة
السكن العشوائي هذه الآفة التي تعيق تنمية المجتمعات، والتي يمثل انتشار
أحياء الصفيح في المدن والأبنية غير القانونية أحد أهم مظاهرها وللتقليص من
هذه الظاهرة عملت كل من الجزائر وتونس على إصدار قوانين تنظم المجال
العمراني، وتضع ضوابط وشروط يجب مراعاتها عند الإقدام على تشييد بناءها وأي
إخلال بهذه الضوابط يعرض مرتكبها لعقوبات مالية وأخرى سالبة للحرية (المطلب
الأول)، ونشير على أن قانون التعمير في كلا البلدين حدد الأجهزة والأطر
المكلفة بضبط مخالفات البناء كما حدد الإجراءات الواجب إعمالها في هذا
الشأن (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مخالفات التعمير في القانون الجزائري والتونسي
نصت القوانين والمراسيم المتعلقة بالتعمير بالجزائر وتونس على عدة ضوابط
يتعين احترامها وعدم مخالفتها ضمانا لسلامة البناء وحماية للمواطنين ومن
أجل دراسة هذه الضوابط عملنا على إدراج أهم المخالفات التي جاءت بها هذه
القوانين من خلال الجداول الآتية:
أولا: مخالفات البناء في إطار قوانين التعمير الجزائرية:
|
القانون او المرسوم |
المادة |
المخالفة |
العقوبة |
|
قانون رقم 09-29 مؤوخ في 14 جمادى عام 1411 الموافق 1 ديسمبر
سنة 1990 يتعلق بالتهيئة والتعمير |
76 |
انجاز أشغال بناء تنتهك بصفة خطيرة الأحكام القانونية
والتنظيمية السارية المفعول في مجال التهيئة العمرانية |
ترفع السلطة الإدارية دعوى أمام القضاء الاستعجالي للآمر بوقف
الأشغال . |
|
77 |
تنفيذ أشغال أو تجاهل الالتزامات التي يفرضها هذا القانون
والتنظيمات المتخذة لتنفيذه أو الرخص التي تسلم وفقا لأحكامه
سواء قام بهذا التجاهل مستعملي الأرض أو المستفيدين من الأشغال
أو المهندسين المعماريين أو المقاولين أو الأشخاص الآخرين
المسؤولين عن تنفيذ الأشغال المذكورة |
غرامة تتراوح ما بين 3آلاف د.ج ،الحبس لمدة شهر إلى ستة أشهر
في حالة العودة إلى المخالفة. |
|
78 |
مخالفة المادتين 76-77 |
تأمر الجهة القضائية المختصة إما بمطابقة المواقع أو المنشآت
مع رخصة البناء وإما بهدم المنشآت أو إعادة تخصيص الأرض بقصد
إعادة المواقع إلى ما كانت عليه من قبل . |
|
المرسوم التنفيذي رقم 91-176 لسنة 1991 الذي يحدد كيفيات تحضير
شهادة التعمير ورخصة التجزئة وشهادة التقسيم ورخصة البناء |
75 |
عدم الاستجابة بهدم الجدران أو المباني الأسيلة الانهيار |
للقضاء السلطة التقديرية في تقدير العقوبة |
|
76 |
عدم الاستجابة بترميمها في الأجل المحدد |
منع الإقامة بذلك المبنى القيام بالأشغال على نفقة المالك
|
|
77 |
عدم تعيين خبير لمعاينة حالة المبنى |
تطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات الجزائري |
|
المرسوم التشريعي وقم 94- سنة 1994 يتعلق بشروط الانتاج
المعماري وممارسة مهنة المهندس المعماري. |
50 |
تشييد بناية بدون رخصة على أرض تابعة لأملاك العمومية |
2000 د.ج |
|
51 |
عدم القيام بإجراءات التصريح والإشهار |
غرامة من 400 د.ج الى 900 د.ج |
وبالإضافة إلى المخالفات المذكورة أعلاه، اصدر المشرع الجزائري قوانين أخرى
لها صلة وثيقة بالمجال العمراني ، كالقانون المتعلق بالتوجيه العقاري رقم
90-25 لسنة 1990 ، والقانون رقم 03-03 المتعلق بمناطق التوسع والمواقع
السياحية لسنة 2003 والقانون رقم 02-02 لسنة 2002 المتعلق بحماية الساحل
وتنميته – وذلك سعيا منه إلى ضبط قواعد البناء في المناطق المحمية ،
وسنتناول في الجدول الآتي ذكر أهم المخالفات التي جاءت بها هذه القوانين .
|
القانون |
المادة |
المخالفة |
العقوبة |
|
القانون رقم 90-25 المتعلق بالتوجيه العقاري المؤرخ في
18/11/1990 |
المواد 21 و 22 |
القيام بالبناء بدون ترخيص في المواقع |
غرامة من 30.000 د. ج . إلى 300 ألف د.ج |
|
القانون رقم 03-03 المتعلق بمناطق التوسع والمواقع السياحية
المؤرخ في 17-12-2003 |
المادة 44 |
القيام بأعمال التهيئة أو استعمال مناطق التوسع بالمواقع
السياحية خلافا لأحكام مخطط تهيئتها |
الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة واحدة وغرامة تتراوح ما بين 10
آلاف د. ج إلى 300 ألف د.ج أو بإحدى هاتين العقوبتين |
|
المادة 47 |
القيام بتنفيذ الأشغال أو استغلال مناطق التوسع السياحي
والمواقع السياحية خلافا لأحكام هذا القانون |
يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين وغرامة تتراوح ما بين 500 ألف
د. ج إلى مليون د. ج أو بإحدى هاتين العقوبتين
|
|
القانون رقم 02-02 المتعلق بحماية الساحل المؤرخ في 05-02-2002
|
المادة 43 |
القيام بالبناء في المناطق الشاطئية |
الحبس من 6 أشهر وغرامة من 100 ألف د.ج إلى 500 ألف د.ج أو
بإحدى هاتين العقوبتين |
ثانيا: مخالفات البناء في إطار قانون التعمير التونسي:
|
الفانون |
المادة |
المخالفة |
العقوبة |
|
القانون عدد 122 بسنة 1994 المتعلق بإصدار مجلة التهيئة
الترابية والتعمير |
المادة 67 |
انجاز تقسيم غير مصادق عليه أو بيع مقاسم منه من قبل مالك او
باعث عقاري |
السجن لمدة تتراوح ما بين 16 يوما إلى ثلاثة أشهر وبغرامة
تتراوح ما بين 500 د. و 20 د أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط غير
أنه في حالة العود يصبح العقاب بالسجن |
|
المادة 77 |
عدم انجاز أشغال التهيئة كليا أو جزئيا أو عدم انجازها حسب
المواصفات المصادق عليها من طرف السلطات المختصة |
غرامة تتراوح بين 500د و 50 ألف د. |
|
المادة 78 |
عدم مراعاة للأحكام المتعلقة بالتقسيم أو بالشروط |
بطلان عقود البيع ويكون ذلك على نفقة البائع بغض النظر عن
التعويضات |
|
82 |
يمكن للسلطة ألإدارية بعد التماس يوجه إليها من قل المخالف
داخل أجل شهرين |
هدم البناية على نفقة المخالف |
|
المادة 84 |
إقامة بناء بدون رخصة |
هدم البناء إضافة إلى غرامة تتراوح بين ألف د و 10 آلاف د.
|
|
المادة 84 مكرر أضيف بالقانون عدد 78 لسنة 2003 المؤرخ في 29
ديسمبر 2003 |
عدم حصول المالك أو المكتري على رخصة لتغيير صبغة محل للسكنى
او منه |
غرامة تتراوح بين ألف دينار و 10آلاف د. |
|
85 |
في حالة ارتكاب مخالفة الإتلاف والإضرار بعلامات التحديد
|
غرامة تتراوح بين 500د و 5آلاف د. |
|
80 |
يجب على كل من رئيس البلدية أو الوزير المكلف بالتعمير كل حسب
اختصاصاته اتخاذ الإجراءات التالية |
إيقاف الأشغال ، حجز مواد البناء والمعدات وكذلك وضع الأختام
عند الاقتضاء |
ويتضح لنا من خلال المخالفات الواردة في القانون الجزائري والتونسي أن كلا
البلدين نظما بشكل دقيق المجال العمراني وجمعا جميع النصوص المتعلقة
بالتعمير في مدونة واحدة، هذه النصوص التي تتميز بالعمومية كالمادة 77 التي
جاءت عامة حيث أوردت حالة البناء بدون رخصة حتى تشمل كل المخالفات التي قد
تحدث ، والتي لم تنظم بنص خاص ، " كعدم تجديد الرخصة بعد مضي المدة المحددة
لها ، والتي تخضع للنص العام أي المادة 77 من القانون رقم 29 – 90 "
مما يسهل العمل على الهيئات المختصة سواء كانت سلطة إدارية أو قضائية النطق
بالحكم عند وجود مخالفات، على خلاف المشرع المغربي الذي لا يتوفر لحد الآن
على مدونة للتعمير، وإنما هناك فقط القانون 90-12
والقانون 90-25.
ولا يفوتنا أن نذكر بأن المشرع الجزائري والتونسي قد نص على عقوبات سالبة
للحرية في حق مرتكبي مخالفات التعمير، بينما اكتفى المشرع المغربي سواء في
إطار القانون رقم 90-12 أو القانون رقم 90-25 والنص على عقوبات مالية، هذه
العقوبات التي لا تكفي للحد من انتشار البناء العشوائي، وهذا ما انتبه إليه
المشرع فنص في مشروع القانون المتعلق بالتعمير 04-04 على عقوبات حبسية رغبة
منه في تجاوز النقض الحاصل في القانون الحالي، وفي الأخير نشير إلى أن
المشرع التونسي عمل من أجل تفادي ظاهرة البناء العشوائي على وضع مجموعة من
الوثائق اللازم الإدلاء بها من أجل الحصول على رخصة البناء
المطلب الثاني: الأجهزة المكلفة بزجر مخالفات البناء والمسطرة المتبعة
بهذا الصدد
لزجر مخالفات البناء والمتمثلة بالخصوص في تشييد بنايات بدون ترخيص او
مخالفة الترخيص وغير المطابقة للشروط والضوابط المنصوص عليها في قوانين
التعمير الجزائرية والتونسية قامت هذه الأخيرة بتحديد الأجهزة المكلفة بضبط
هذه المخالفات وكذا المسطرة الواجب اتباعها في هذا الشأن.
أولا: في القانون الجزائري
لقد عددت المادة 51 من قانون 91-07 لسنة 1994 الأجهزة التي تقوم بضبط
مخالفات البناء وهي على الشكل الآتي:
·
ضباط الشركة القضائية وأعوانها
·
مفتشوا التعمير
·
المهندسون المتصرفون
·
الإداريون والتقنيون المسامون اللذين عم في حالة خدمة لدى الإدارة المركزية
المكلفة بالهندسة المعمارية والتعمير في الولايات.
وبالرجوع إلى الفقرة الأخيرة من المادة 51 نجد أنها تنص على أن هذه
الأجهزة المذكورة أعلاه هي التي تتولى ضبط مخالفات البناء وذلك بتحرير محضر
يتضمن نوع المخالفة وقيمة الغرامة التي يتعين على المخالف دفعها للخزينة
الولائية داخل أجل 30 يوما من تاريخ تبليغ المحضر كما يقوم هذا العون
بتحرير محضر الأمر بتوقيف الأشغال طبقا للمادة 52 من القانون 81-07 على أن
تتولى الجهة القضائية المختصة تحديد العقوبة المناسبة حسب المخالفة
المرتكبة وهي إما أن تأمر بهدم البنايات أو إعادة تخصيص الأرضيات قصد
إعادتها إلى الحالة الأولى.
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن وزارة الداخلية قامت بإعادة تنشيط وحدات
شرطة العمران وحماية البيئة وذلك بتعميم فرق هذه الشرطة على مستوى كل
ولايات الجزائر حيث تقوم هذه الوحدات بضبط المخالفات في مجال العمران فقد
بلغت عدد المخالفات المسجلة من طرف هذه الوحدات ، 9119 مخالفة في سنة2006 ،
وتحرير محاضر شانها وإرسالها إلى رئيس المجلس الشعبي البلدي والوالي. ومن
المهام الموكول إليها السهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية في
المجال العمراني ومنع كل أشكال البناء الفوضوي
، وتجدر الإشارة إلى أن المغرب لم يعرف جهاز بهذا الشكل إلا أن الجهة
الشرقية للملكة عرفت تجربة مماثلة لما هو عليه الحال في الجزائر ، حيث تم
إحداث جهاز شرطة التعمير بمقتضى الاتفاقية الإطار
الموقعة بين ولاية الجهة الشرقية ووزارة الإسكان
والجماعة الحضرية والوكالة الحضرية لوجدة ، كمتدخل وحيد في ميدان التعمير ،
وذلك بغية الحد من التضارب الحاصل نتيجة تعدد المتدخلين ( مراقبي الجماعة ،
مراقبي الوكالة الحضرية …).
ويقوم هذا الجهاز بجولات ميدانية لمراقبة أشغال البناء والتجزيء والتأكد من
احترامها للتراخيص والضوابط المعمول بها ، وضبط الأوراش الخاصة ، كما تقوم
بالوقوف على المخالفات وضبطها ، وكذا حجز مواد البناء والآليات المستعملة
في الأشغال الغير المرخص لها وإيداعها في المستودع البلدي مقابل وصل.
لكن تجربة سنة من عمل هذا الجهاز أبانت عن عدة اختلالات في التسيير وضعف
الموارد المخصصة ، وكذا ضعف تكوين الجهاز البشري … مما اثر بشكل كبير على
مردوديته وجعل هذه التجربة في مهب الريح
ثانيا: في القانون التونسي
على غرار المشرع الجزائري قام المشرع التونسي بتعداد الأجهزة التي لها
الصلاحية لمعاينة المخالفات وتحرير محاضر بشأنها وذلك في المادة 88 من
القانون رقم 94-122 لسنة 1994 المتعلق بالتهيئة الترابية والتعمير وهم على
الشكل الآتي:
·
ضباط الشرطة القضائية
·
أعوان البلدية
·
التقنيون المكلفون بالمراقبة بوزارة التعمير
·
مهندسي وزارة الفلاحة
·
التقنيون بوزارة التراث
·
التقنيون العاملين في مجال البيئة وإعداد التراب
·
المتخصصين بالمراقبة في الوكالة الوطنية لحماية البيئة
وحسب المادة 88 من القانون رقم 91-122 فإن هذه الأجهزة الواردة أعلاه تقوم
بتحرير محاضر مخالفات التعمير وتبعثها إلى الوالي أو رئيس البلدية الذي
يأمر حسب نوع المخالفة إما
·
بوقف الأشغال المخالفة لرخصة البناء
·
حجز الأدوات والآلات المستعملة في البناء
·
وضع الأختام .
كما تقوم هذه الأجهزة بعد انتهاء أشغال البناء بمراقبة مدى مطابقة هذه
الأشغال للتصاميم المرفقة برخصة البناء حسب المادة 73 من نفس القانون. التي
تنص على أنه يمكن للوالي أو رئيس المجلس الشعبي البلدي وكذا الأعوان
المفوضين في كل وقت بزيارة البنايات الجاري تشييدها وإجراء التحقيقات التي
يعتبرونها مفيدة وطلب إبلاغهم في كل وقت بالمستندات التقنية المتعلقة
بالبناء.
وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من إصدار القوانين المنظمة للمجال العمراني
في كل من الجزائر وتونس فإن التعمير لازال يطرح عديدا من المشاكل لارتباطه
بالحاجيات اليومية والأساسية للسكان ، فالتطور السريع للمجتمع أدى إلى
تزايد الطلب على السكن أمام النقص الحاصل في إنتاج الوحدات السكنية الشيء
الذي أدى إلى انتشار البناء الغير القانوني فعلى سبيل المثال "فقد عرفت
الجزائر تشبيد 711429 بناية غير قانونية منذ 2005 إلى غاية السنة الحالية،
مما جعل وزير السكن الجزائر في يشدد على ضرورة احترام مقاييس التعمير وعلى
الاهتمام بإجراء دراسات جيو تقنية قبل الانطلاق في انجاز المشاريع السكنية
على إلزامية تطبيق التشريع الخاص بإجراء دراسات جيو تقنية قبل منح رخصة
البناء".
وهكذا فقد عمل المشرع في كلا البلدين على فرض عقوبات حبسية وأخرى مالية في
حق مرتكبي مخالفات التعمير رغبة منه في الحد والقضاء على كل أشكال البناء
الفوضوي الذي يشكل عائقا أمام تطور المجال الحضري وهذا ما سنتناوله
بالدراسة في المبحث الثاني.
المبحث الثاني:
طبيعة عقوبات مخالفات التعمير ودور القضاء في
التقليص من حجمها
إن انتهاك قواعد التهيئة والتعمير يؤدي إلى تعريض مرتكبها للعقوبات المقررة
قانونا على اعتبار أن هذه القواعد والضوابط تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة
اقتصادية واجتماعية تعلو على المصالح الفردية، إلى جانب كون هذه القواعد
في كال من الجزائر وتونس من النظام العام والتي لا يجوز على الأفراد
الإتفاق على مخالفتها.
لقد حاولت كل من الجزائر وتونس من خلال قانون التعمير على فرض عقوبات سالبة
للحرية فيما يخص المخالفات وذلك لوضع حد لظاهرة البناءات الفوضوية (المطلب
الأول) كما أن القضاء لعب دورا هاما وفعالا في ردع جرائم البناء، وهذا كله
من أجل ضمان احترام أكبر لقواعد التهيئة والتعمير (المطلب الثاني).
المطلب الأول: طبيعة عقوبات مخالفات التعمير
إن عقوبات مخافات التعمير في كل من الجزائر وتونس تأخذ إما بشكل عقوبات
مالية أو شكل عقوبات حبسية وذلك حسب نوع وجسامة المخالفة المرتكبة.
أولا: بالنسبة للقانون الجزائري
بالرجوع إلى النصوص الجزائية الخاصة بالتهيئة والتعمير سواء في أحكام
القانون رقم 29.90
والمرسوم التشريعي رقم 94-07،
نجد أن مخالفة قواعد التهيئة والتعمير كالبناء بدون رخصة تكيف على أنها
جنح حيث تتراوح العقوبة المقررة لها ما بين 30.000 د.ج و300.000 د.ج، وفي
حالة العود تشدد العقوبة حيث يعاقب بالحبس لمدة شهر إلى 6 أشهر طبقا النص
المادة 77
من القانون رقم 29-90.
وما يجدر الإنتباه إليه أن مخالفات البناء يتم التشديد في العقوبة المقررة
لها إذا تعلق الأمر بارتكاب مخالفات في المناطق المحمية المواقع السياحية
حيث تكيف على أنها جنح مشددة، ويعاقب عليها بعقوبات سالبة للحرية، فمثلا
المادة 44 من القانون 03-03
يعاقب بالحبس من 3 أشهر إلى سنة واحدة وبغرامة تتراوح ما بين 100.000 د.ج
إلى 300.000 د.ج، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يخالف أحكام المادة 6 من
هذا القانون، والمتعلقة بالقيام بأعمال التهيئة أو استعمال مناطق والمواقع
السياحية خلافا لأحكام مخطط تهيئتها.
هذا ونصت المادة 43 من القانون رقم 02-02
على أنه يعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى سنة وبغرامة من 100.000 د.ج إلى
500.000 د.ج أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يخالف أحكام المادة 2 من هذا
القانون، والخاصة بمنع البناءات والمنشآت في المناطق الشاطئية.
وإضافة إلى ما سبق فقد نصت المادة 78 على أنه الجهة القضائية المختصة في
إطار أحكام المادتين 76 و77
إما بمطابقة المواقع أو المنشآت مع رخصة البناء، وإما بهدم المنشآت أو
إعادة تخصيص الأراضي بقصد إعادة المواقع إلى ما كانت عليه من قبل.
ثانيا: في القانون التونسي
إن عقوبات مخالفات التعمير في تونس تتخذ إما بشكل غرامات كالفصل 77 الذي
فرض غرامة تتراوح ما بين 500 دينار و50.000 دينار على كل مالك أو باعث
عقاري لا ينجز أشغال التهيئة كليا أو جزئيا أو لم ينجزها حسب المواصفات
الفنية المصادق عليها من طرف السلطات المختصة وضمن ما هو مشروط في الكراس،
وإما شكل عقوبات سالبة للحرية كالفصل 76 الذي يقضي بالسجن لمدة تتراوح ما
بين 16 يوما إلى 3 أشهر وبخطية تتراوح بين 500 و2000 د.ج أو بإحدى هاتين
العقوبتين فقط كل مالك او باعث عقاري يقوم بانجاز تقسيم غير مصادق عليه أو
بيع مقاسم منه.
وإلى جانب ما تقدم ذكره نشير إلى أن القانون التونسي نص كل عقوبات مدنية،
حيث أبطل عقود البيع في حالة عدم مراعاة الأحكام المتعلقة بالتقسيم أو
بكراس الشروط طبقا للفصل 78.
ويتضح لنا من خلال ما سبق أن العقوبات المقررة المخالفات التعمير في كل من
الجزائر وتونس تتخذ إما شكل غرامات أو شكل عقوبات حبسية، وهو ما يغيب عن
المشرع المغربي الذي حدد العقوبة في الغرامات المالية فحسب، واستبعد
العقوبات السالبة للحرية، كما أنه قرر ضم العقوبات في حالة تعدد المخالفات
حسب المادة 68 من قانون التعمير
.
والجدير بالذكر أن قيمة هذه الغرامات ضئيلة لا تمنع من الحد من ظاهرة
البناء غير القانون الذي ترتفع وتيرته يوما بعد يوم، وهذا ما انتبه إليه
المشرع ففرض العقوبات السالبة للحرية كما أنه رفع من قيمة الغرامات
المالية في مشروع مشروع القانون رقم 04-04 المتعلق بالتعمير.
المطلب الثاني: رقابة القضاء على مخالفات التعمير
إن للقضاء دور هام وحاسم في زجر مخالفات التعمير وفي فرض احترام القواعد
والمقتضيات المنصوص عليها في قوانين التعمير، لذا فعند ارتكاب مخالفة في
مجال البناء يعمل القضاء من خلال الصلاحيات المخولة له على الحكم باتخاذ
التدابير اللازمة التي تختلف حسب نوع المخالفة المرتكبة.
فبالنسبة لقانون التعمير الجزائري، نجد أن "القاضي الإداري يجوز له توجيه
أوامر للإدارة لتسليم رخص البناء"
في حين أن القاضي المدني في حالة مخالفة المرخص له بالبناء أحكام وبنود
هذه الرخصة، كإقامة بناء على أرض مملوكة للغير، فإنه يمكن للمتضرر المطالبة
بإصلاح الضرر الناتج عن المساس بالحقوق الخاصة، وهذا ما نصت عليه المادة
124 في القانون المدني الجزائري، حيث يحكم القاضي بإعادة الحالة إلى ما
كانت عليه تماشيا مع أحكام رخصة البناء، كما أن من حق المتضرر من تنفيذ
رخصة البناء رفع دعوى الأشغال أمام القاضي الإستعجالي إلى حين الفصل في
الموضوع عند توفر عنصر الإستعجال.
أما فيما يتعلق بالقاضي الجزائي، فعند ارتكاب مخالفة التعمير فإنه يحكم إما
بالغرامة أو بعقوبة سالبة للحرية حسب نوع المخالفة.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أنه يتم تحريك الدعوى العمومية الناتجة عن جريمة
البناء بدون ترخيص بمجرد العلم بها، وذلك إما من قبل النيابة العامة، وإما
عن طريق الإدعاء المدني طبقا للمادة 1 من قانون الإجراءات الجزائية.
أما فيما يتعلق بقانون التعمير التونسي، فالقاضي المدني مختص في الفصل في
المنازعات المرتبطة برخص البناء أو بتنفيذ الأشغال، وذلك بمقتضى المادة 40
من المرافعات المدنية، كما أنه مختص أيضا بالنظر في مخالفات ضوابط البناء
المرتكبة من قبل المقاول أو المهندس المعماري، في حين يقوم القاضي الجنائي
بالحكم إما بالغرامات المالية أو بالعقوبات السالبة للحرية وذلك حسب جسامة
المخالفة المرتكبة.
وتجب الإشارة إلى أن تدخل السلطة القضائية في القانون المغربي لزجر
مخالفات التعمير فيكون إما بالأمر بإيقاف الأشغال أو بهدمها، وإما بالحكم
بالعقوبات المالية،هذه الأخيرة التي لا تكفي للحد من انتشار البناءات
العشوائية وكان على المشرع المغربي أن يأخذ بالعقوبات الحبسية كما هو الحال
عليه في الجزائر وتونس.
ومجمل القول ان قوانين التعمير في كل من الجزائر وتونس والمغرب، فبالرغم
من الأهمية الكبيرة التي أولتها لمجال التعمير فإنها لم تتمكن من القضاء
على البناءات العشوائية خاصة قانون التعمير المغربي الذي لا يشكل قوة رادعة
اعتبارا لحجم الغرامات إضافة إلى استبعاده العقوبات الحبسية ، وهذا ما
انتبه إليه المشرع في مشروع مدونة التعمير حيث قام بتجريم المخالفات ورفع
من قيمة الغرامات رغبة في القضاء على البناء الفوضوي.
خـاتمة :
من خلال دراستنا لموضوع مخالفات التعمير في دول المغرب العربي، اتضح لنا
جليا مدى القصور التشريعي لهاته الدول في معالجة وتقليص المخالفات في
ميدان التعمير مما يؤثر سلبا على النسيج العمراني بالمراكز الحضرية، خاصة
وأن ظاهرة التمدين أصبحت تطفو على السطح مما يستوجب أخذها بعين الإعتبار في
كل تخطيط وللتغلب على مختلف الخروقات التي تشهدها دول المغرب العربي في ما
يخص مجال التعمير تقترح ما يلي:
- إخراج مدونة التعمير المغربي إلى حيز الوجود.
- تنظيم المجال العمراني ووضع مخططات تراعي ظاهرة التمدين السريعة
- توفير السكن المجهز بالمرافق الإجتماعية والصحية.
- توفير مواد بناء ذات جودة عالية وبتكاليف مخفضة.
- محاربة السكن العشوائي وذلك بتكييف المراقبة.
- الضرب على أيادي المخالفين والمتلاعبين في ميدان البناء والتعمير من خواص
ومقاولين ومهنيين.
- فرض عقوبات سالبة للحرية في المغرب بالنسبة للمخالفين كما هو عليه الحال
في كل من تونس والجزائر.
- الرفع من قيمة الغرامات المفروضة على المتلاعبين في قطاع البناء.
لائحة المراجع
الفهرس
مقدمة
.....................................................................
1
المبحث الأول : مخالفات التعمير في قوانين التعمير الجزائرية والتونسية
... 3
المطلب الأول : مخالفات التعمير في القانون الجزائري والتونسي .....
3
المطلب الثاني : الأجهزة المكلفة بزجر مخالفات البناء والمسطرة ......
11
المتبعة بهذا الصدد
المبحث الثاني : طبيعة عقوبات التعمير ودور القضاء في التقليص من حجمها .
16
المطلب الأول : طبيعة عقوبات مخالفات التعمير ........................
16
المطلب الثاني : رقابة القضاء على مخالفة التعمير
...................... 19
خاتمة
.....................................................................
21
لائحة المراجع
............................................................ 22
الفهرس
.....................................................................
23
|